محمود توفيق محمد سعد
172
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
والآخر : ناظر إلى مراعاة حال المعنى والإعجاز البياني ، فتنزل كلّ آية في سياق ترتيلها منزلها المحقّق لها كمال إعجازها البيانيّ بما تنتجه مع ما قبلها وما بعدها من معاني الهدى إلى الصراط المستقيم وكان حريّا بالبقاعي أن يتدبر هذا الخبر : سؤال العراقي وقوله : " فإنه يقرأ غير مؤلف " دال دلالة بينة على أن مناط الطلب هو الوقوف على ترتيب السور وتأليفها وليس ترتيب الآيات ، فإن ترتيب الآيات لم يثبت أنّ مسلما واحدا يجرؤ على أن يقرأ آيات القرآن الكريم على وفق ترتيب نزولها تعبدا ولا سيّما في الصلاة ، ولكن الذي يمكن أن يقع أن يقرأ مسلم سورة قبل سورة وجواب أم المؤمنين رضي اللّه عنها دال على أنّها دلته على أنّه لا يقع عليه ضرر أي ضرر يخرجه من مقام الطاعة للّه رب العالمين أو يلبس عليه فقه المعنى الجمهوري الإيمانيّ إذا ما قرآ سورة قبل سورة أخرى ، وإن كانت المؤخرة سابقة في الترتيب النزولي أو الترتيب الترتيلي ، فإنّ المعاني المأخوذة من فقه ترتيب السور معان إحسانية تعلو المعاني الجمهورية الإيمانية ، فقالت له رضي اللّه عنها : " وما يضرّك أيّه قرأت قبل " أي في سياق ترتيب السور ، وليس في سياق ترتيب الآيات ؛ لأنّه لا ريب أنّه إذا ما قرأ آية من قبل التي هي قبلها في نسق التلاوة سيقع عليه ضرر عظيم في فقه المعنى الجمهوري الإيماني الذي هو هدى للناس . ثمّ قالت له : إنّما نزل أوّل ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام " فهذا منها دال دلالة بينة على أن النزول كان على وفق ما يقتضيه منهاج التربية والتثقيف النفسيّ والقلبيّ للأمة والأخذ بأيدي النّاس إلى ما هو اليسير عليهم والتصاعد بهم في مدارج الطاعة والقرب : " ولو نزل أوّل شيء : لا تشربوا الخمر لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل : لا تزنوا لقالوا : لا ندع الزنا أبدا " فإذا ما كان هذا منظورا فيه إلى حال الأمة من قبل أن يثوب الناس إلى الإسلام ويرسخ في قلوبهم ، فإن الأمر يقتضي مراعاة مقتضى الحال الذي انتهى إليه الناس من رسوخ الإسلام في قلوبهم ، فيكون للقرآن الكريم ترتيبه الذي يراعي مقتضي حال أخرى غير التي راعها الترتيب النزولي . ولكن يبقى أمر وهو أنّ " العراقي " سأل عن تأليف السور وليس تأليف الآيات في السورة ونهاية الخبر تقول :