محمود توفيق محمد سعد

173

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

" فأخرجت له المصحف ، فأملت عليه آي السّورة " وفي رواية ( آي السور ) مقتضى الظاهر أن يقول الخبر : فأخرجت له المصحف ، فأملت عليه تأليف السور ، وليس آي السورة ، فليس تأليف آي السورة هو مناط مساءلة ، فما الوجه في هذا ؟ يقول " ابن حجر " في فتح الباري : " الذي يظهر لي أن هذا العراقي كان ممن يأخذ بقراءة ابن مسعود وكان ابن مسعود لما حضر مصحف عثمان إلى الكوفة لم يوافق على الرجوع عن قراءته ولا على إعدام مصحفه . . . فكان تأليف مصحفه مغايرا لتأليف مصحف عثمان . ولا شك أن تأليف المصحف العثماني أكثر مناسبة من غيره فلهذا أطلق العراقي أنه غير مؤلف . وهذا كله على أن السؤال إنما وقع عن ترتيب السور ويدل على ذلك قولها له : " وما يضرك أيّه قرأت قبل " ويحتمل أن يكون أراد تفصيل آيات كل سورة لقوله في آخر الحديث : فأملت عليه أي السور " أي آيات كل سورة كأن تقول له سورة كذا مثلا كذا كذا آية الأولى كذا الثانية . . . الخ وهذا يرجع إلى اختلاف عدد الآيات وفيه اختلاف بين المدني والشامي والبصري وقد اعتنى أئمة القرّاء بجمع ذلك وبيان الخلاف فيه ، والأول أظهر ويحتمل أن يكون السؤال وقع عن الأمرين واللّه أعلم " « 1 » والذي قاله " ابن حجر " ليس فيه غناء أو شفاء والذي يبدو لي في صنيع " أم المؤمنين : عائشة " رضي اللّه تعالى عنها في إملائها آي السورة أو السور إنّما هو من قبيل أسلوب الحكيم النازع إلى لفت انتباه السائل إلى ما هو أولى به أن يسأل عنه ، فكأنها تشير إلي العراقيّ أنّ الذي هو أولى بمثلك أن تعنى بتأليف آيات السورة ، فأنت أو مثلك أحوج إلى ذلك من أن ينازع غيره في تأليف السور ، وحتى لا يتخذ العراقيّ صنيعها سببا في مجادلة أو مجالدة الآخذين بترتيب مصحف " ابن مسعود " أو مصحف " أبيّ بن كعب " ، فيقف في وجه الآخر وفي يده نسخة من مصحف أم المؤمنين ، وهي من هي ، فيحتدم التجادل ، وذلك من حكمتها في درء الفتنة وغلق باب المجادلة فيما لا يليق بالأمة التنازع فيه وهي مهمومة حينذاك بما هو أهم من ذلك

--> ( 1 ) - فتح الباري لابن حجر : 9 / 32