محمود توفيق محمد سعد
171
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
صدورهم على النحو الذي هو قائم بين دفتي المصحف الذي بين أيدينا ، فهذا امر هو المدفوع عندنا . وأنت حين تتابع " البقاعيّ " في تفسيره تجده مصرحا في مواضع منه بما يدلّ دلالة بيّنة جليّة على أن ترتيب السور إنما هو وجه من إعجازه الذي هو من منزله جلّ جلاله . في مفتتح تأويله سورة " النساء " يقرر أنها من أواخر ما نزل ، ويذكر ما رواه البخاري في فضائل القرآن من صحيحه من أنّ عراقيا سأل أمّ المؤمنين " عائشة " الصديقة رضي اللّه عنها فقال : " أيّ الكفن خير ؟ قالت : ويحك ، وما يضرك ؟ قال يا أم المؤمنين أريني مصحفك . قالت : لم ؟ قال : لعلّى أؤلف القرآن عليه ؛ لأنّه يقرأ غير مؤلف . قالت : وما يضرّك أيّه قرأت قبل . إنّما نزل أوّل ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أوّل شيء : لا تشربوا الخمر لقالوا : لا تدع الخمر أبدا ، ولو نزل : لا تزنوا لقالوا : لا ندع الزنا أبدا . لقد نزل بمكة على محمد صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا وإنّي لجارية ألعب : بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ) ( القمر : 46 ) وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده . قال : فأخرجت له المصحف ، فأملت عليه آي السّورة " ويعلق " البقاعيّ " على هذا بقوله : " وقد عنت بهذا - رضي اللّه عنها - أنّ القرآن حاز أعلى البلاغة في إنزاله مطابقا لما تقتضيه الأحوال بحسب الأزمان ، ثمّ رتب على أعلى وجوه البلاغة بحسب ما تقتضيه المفاهيم من المقال كما نشاهده من هذا الكتاب البديع المثال البعيد المنال " « 1 » تعليقه هذا قائم من أنّ أم المؤمنين أشارت إلى أمرين : الأول : ناظر إلى مراعاة حال الأمة حين نزول الآيات ، فكان النزول كالدواء لما حلّ من أدواء فكان نزولا مطابقا لحال الأمة وواقع حركتها في تأسيس الأمة المسلمة
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 5 / 170