محمود توفيق محمد سعد
16
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
وقد بقي في قيد الحياة الدنيا ستا وسبعين سنة عانى من الكبد والكمد ما عانى حتّى رحل إلى ربه جلّ جلاله ليلة السبت الثامن من شهر رجب سنة خمس وثمانين وثمان مائة ( 885 ) بدمشق ودفن يوم السبت في المقبرة الحميدية من جهة قبر " عاتكة " بدمشق « 1 » * * * مذهبه العقدي والفقهيّ : كان " البقاعيّ " في باب العقيدة على منهاج الأشاعرة وفي فقه الشريعة على منهاج الإمام الشافعيّ رضى اللّه عنه ولم يكتف بذلك بل درس المذهب المالكي على شيخه " المشدالى " بالأزهر الشريف ، ودرس " الموطأ " على شيخه محمد بن علي الصفوي " بالقاهرة سنة سبع وثلاثين وثمان مائة . « 2 » والجمع بين مذهبين فقهيين في الدرس من بعد التمكن في أحدهما معين على اتساع النظر العقلي ونفاذ البصيرة اختلاف المذاهب الفقهية أساسه اختلاف في منهاج التبصر في نصوص الكتاب والسنة من جهة والتبصّر في حركة الحياة والسياق الحضاريّ الذي يقوم فيه صاحب المذهب ودارسه ، فليس فقيها من عكف على حفظ آراء أهل العلم وحوى صدره ما سطّروه في أوراقهم وأسفارهم وانعزل عن حركة حياة قومه وسياق وجودهم الزماني والمكاني ، فإذا ما كانت شريعة الإسلام صالحة لكلّ زمان ومكان كما هو مشهور فإنّها أيضا مصلحة كلّ زمان ومكان ، فما من عصر أو مصر عمّه الفساد فأسلم أمره إلى شريعة الإسلام إسلام المريض أمره إلى طبيبه إلا عوفي وعاد إليه مجده وعزّه وأمنه . إنّ على فقهاء الأمة في عصرنا هذا وما يردفه من العصور فريضة لازمة لا يقوم بها فرد من جمعهم : عليهم الوعي البالغ بحركة الحياة المتجددة تجددا محموما يستوجب أن تصاحبه حركة تفقه بالغ لتلك الحركة في نور الكتاب والسنة ، والسعي إلى ما يستبقي الناس في دائرة الطاعة والتباعد بهم عن حرج التضييق والتشديد ، وعن إلزامهم بمباعدة ما لم تقطع الأدلة بحرمته إذا ما حملتهم حاجة على المقاربة الخير في أن ندع للناس - ولا سيما الدهماء - مساحة متسعة من المباح ومما لم تتواتر علي حرمته تحقيقات العلماء المحررين المتقين ، فإنّ
--> ( 1 ) - عنوان الزمان : 1 / 351 ( 2 ) - عنوان الزمان : 1 / 48 ، 352 ، ج 4 ص 48 ، 65 ، 267