محمود توفيق محمد سعد

157

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

المعلم الثاني . . . بيان تصاعد مقاصد السور ومعانيها إذا ما كان البقاعيّ ذاهبا إلى أنّ للبيان القرآني المجيد مقصودا أعظم ، فإنّه لذو عناية ببيان علائق مقاصد السور ببعضها وتصاعد معانيها منسولة من ذلك المقصود الأعظم للقرآن العظيم فكان معنيّا ببيان ترتب مقصود السورة على مقصود التي قبلها ، مما يعنى أن الترابط القائم بين سور القرآن الكريم ليس ترابطا منحصرا في تناسب أوّل السّورة مع خاتمة ما قبلها ، بل الأمر أكبر من ذلك . في تبيانه مقصود سورة " البقرة " يركز على المعنى الذي هو أساس المعاني المنسولة من معنى الفاتحة الذي هو إجمال معنى القرآن العظيم فهو لها كالحجر الأساس في البناء : معنى الإيمان بالغيب ، يقول : " مقصودها إقامة الدليل على أنّ الكتاب هدى ؛ ليتبع في كلّ ما قال [ حال ] ، وأعظم ما يهدي إليه الإيمان بالغيب ، ومجمعه الإيمان بالآخرة ، وفمداره الإيمان بالبعث الذي أعربت عنه قصّة البقرة التي مدارها الإيمان بالغيب ، فلذلك سمّيت بها السّورة " « 1 » كلّ آيات سورة " البقرة " ناظرة إلى تقرير معنى الإيمان بالغيب في القلوب « 2 » ومن ثمّ كانت أول صفة للمتقين فيها هي صفة الإيمان بالغيب ( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ . . . ) فهذا الإيمان بالغيب هو أساس كلّ عمل صالح مصلح ، فإنّه لا معنى البتة لأيّ عمل صالح أو إيمان بدين إذا لم يكن ذلك مؤسسا على تقرر معنى الإيمان بالغيب

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 55 ( 2 ) - وتتفاوت آياتها في وجه الدلالة على هذا المعنى إفصاحا وإفهاما وتصريحا وتلويحا ، وهذا مجال خصب للدرس البلاغيّ بمنهاج " علم البيان " ، ولو أنّ عمدنا إلى شيء من هذا أي تبيان وجوه دلالة آيات سورة البقرة على هذا المعنى لكان لنا هذا فيضا جليلا من المعرفة بمناهج الإبانة عن المعنى الواحد بصور مختلفة في وجوه الدلالة عليه ، ولذلك أزعم أنّ الاكتفاء في دراسة علم البيان في القرآن الكريم بدراسة أسلوب التشبيه والاستعارة والمجاز المرسل والكناية إنما هو تقصير بالغ