محمود توفيق محمد سعد
158
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
، فليس هنالك دين من الأديان لا يقوم إلا على ما ترى الأعين كلها وما تسمع الآذان كلها وما تلمس الأيدي . . . بل إنّ أساس كل دين يدين به أحد من العباد باطلا كان ذلك الدين أو كان حقا نازلا به الوحي الإلهي من السماء إنّما هو الإيمان بالغيب ؛ لأنّ أساس الدين الإيمان بوجود ووحدانية الإله المعبود . ولا يصلح الإله المعبود أن يكون مشهودا ملموسا بل لا بدّ أن يكون غيبا مطلقا تشهد الأبصار والبصائر دلائل وجوده ووحدانيته وكمال جلاله وجماله وقهره ورحمته . . . إلخ ومن ثمّ كان مقصود السورة الأولى من سور تفصيل أم الكتاب الفاتحة : سورة البقرة الهداية إلى الإيمان بالغيب . وهذا تراه جليا في تسمية السورة بالسنام ، والذروة ، والفسطاط ، فإنّ الفسطاط جامع لما كان منه بسبب . وإذا ما جاء " البقاعيّ " لتبيان المقصود الأعظم من سورة ( آل عمران ) فإنّه يبسط القول في هذا : يبيّن لنا ما كان قد ظهر له أوّل الأمر في تأويلها ، فلمّا راجع وبالغ التدبّر تبين له تحرير مقصودها على نحو آخر ، وهو يبسط القول ، فيبين علاقة مقصود سورة ( آل عمران ) بمقصود سورة ( البقرة ) ومقصودهما معا بمقصود سورة ( الفاتحة ) بل إنه ليبسط النظر أكثر ، فيمدّه إلى مقصود سورة ( النساء ) . يقول : " المقاصد التي سيقت لها هذه السورة إثبات الوحدانية للّه سبحانه وتعالى ، والإخبار بأنّ رئاسة الدّنيا بالأموال والأولاد وغيرهما مما آثره الكفار على الإسلام غير مغنية عنهم شيئا في الدنيا ، ولا في الآخرة ، وأنّ ما أعدّ للمتقين من الجنّة والرضوان هو الذي ينبغي الإقبال عليه والمسارعة إليه . وفي وصف المتقين بالإيمان والدعاء والصبر والصدق والقنوت والاتفاق والاستغفار ما يتعطف عليه كثير من أفانين أساليب هذه السورة . هذا ما كان ظهر لي أولا . وأحسن منه أن نخصّ القصد الأول وهو التوحيد بالقصد فيها ، فإنّ الأمرين الأخيرين يرجعان إليه ، وذلك لأنّ الوصف بالقيومية يقتضي القيام بالاستقامة ، فالقيام يكون على كلّ نفس ، والاستقامة العدل . . . . وهذا الوجه أوفق للترتيب