محمود توفيق محمد سعد

146

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

" ولأجل اختلاف مقاصد السور تتغير نظوم القصص وألفاظها بحسب الأسلوب المفيد للدلالة على ذلك المقصد « 1 » ويقول أيضا : " وبه يتبين لك أسرار القصص المكررات ، وأنّ كلّ سورة أعيدت فيها قصة ، فلمعنى ادعي في تلك السورة استدلّ عليه بتلك القصّة غير المعنى الذي سيقت له في السورة السابقة ، ومن هنا اختلفت الألفاظ بحسب تلك الأغراض ، وتغيرت النظوم بالتأخير والتقديم والإيجاز والتطويل مع أنها لا يخالف شيء من ذلك أصل المعنى الذي تكونت به القصّة " « 2 » ويقول : " ومن حقّق المقصود منها عرف تناسب آيها وقصصها وجميع أجزائها " « 3 » بسطت لك النقل عنه ، لأهميته أولا ، ولتقف على حقيقة مذهبه وعموده بلغته هو ، وسوف يكون لنا وقفة تحليل وتقويم لبعض من ذلك المهم أنّ تحرير هذا المقصود الأعظم الكلي لا يتأتى خبط عشواء ، ولا يمتلكه المرء من قراءات عجلى للسورة القرآنية ، بل هو لا يملك معالمه الكبرى إلّا من بعد معايشة للسورة ، وسعي بليغ إلى أن يقيم فيها بعقله وقلبه وروحه حتى تستحيل إلى جزء من وجوده الدّاخلىّ أو إلى أن تقوم هي فيه . يظلّ المتدبر يتنقل بين تأمل الجزء وتأمل الكلّ ، فيعيش في حركة دائرية ترددية ، وهو يحاول تأويل السورة وتدبرها وقد كان " البقاعي " يدور في تدبره تحليل الكلمات والجمل والآيات والمعاقد في ضوء المعالم الكبرى للمقصود العظم للسورة ، حتى ينتهى إلى تحرير المعالم الدقيقة لذلك المقصود ، فيعود إلى تدبر الجمل والآيات والمعاقد تدبرا أعمق من سابقه في ضوء هذا التحرير الدقيق للمعالم الدقيقة للمقصود نرى " البقاعي " مثلا يقوم بتعديل منهجه وخطته في التدبر عندما يتقدم فيه ، وعندما يصل إلى سورة " سبأ " يرجع إلى ما سبق أن صنعه من أول سورة " الفاتحة " وحتى سورة " سبأ " فيعيد النظر فيه ، وهكذا يقين نفسه في حركة دائرية ترددية بين المقصود الكلى والعناصر في

--> ( 1 ) - السابق : ج 1 ص 152 ( 2 ) - نظم الدرر : ج 1 ص 14 ( 3 ) - السابق : ج 1 ص 149