محمود توفيق محمد سعد

147

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

إطار السورة القرآنية ، ثمّ في القرآن الكريم كلّه ، لرحابة ميدان التناسب . وإذا ما كان عمودا " التناسب " عنده هما " النظم التركيبي " و " النظم الترتيبي " وكان كلّ منهما يعتمد على الآخر كما تراه في قوله : " المقصود بالترتيب معان جليلة الوصف ، بديعة الرصف ، عليّة الأمر ، عظيمة القدر ، مباعدة لمعاني الكلام على أنها منها أخذت " إذا ما كان ذلك فإن " البقاعي " ليذهب إلى أنّ " النظم الترتيبي " يحتاج متدبره إلى أن يكون ذا فراسة بيانية في تدبره ، لأنّه في غاية الخفاء فإذا ما أراد المتدبّر العبور من " النظم التركيبي " إلى تأمل ربط الجمل أو الآيات . . . بما جاء من بعد خفي عليه وجه ذلك ، ورأى أن الجمل متباعدة الأغراض متنائية المقاصد ، فظنّ أنّها متنافرة ، فحصل له من القبض والكرب أضعاف ما حصل له بالسماع من الهزّ والبسط ، فربما شككه ذلك وزلزل إيمانه ، وزحزح إيقانه ، وربما وقف ذلك بكثير من المخالفين عن الدخول في هذا الدين " « 1 » لنتجاوز شيئا ما عن مبالغة " البقاعي " في أثر الجهالة ببعض منازل " النظم الترتيبي " لننتهى إلى أنّ " النظم الترتيبي " الذي هو الممثل لروح الكلام عنده يأتيه سمو أثره وصعوبة تأمله وإدراكه من خفائه وشموله وهيمنته على كل عنصر بحيث يحتاج المتدبر إلى رحابة أفق ، وعمق فهم ، وبصيرة وقدرة على الاختزان الأمين لدقائق البيان ، والتتبع الدقيق لكلّ حركة جزئية ، فيرصدها ببصيرة نافذة ؛ ليحظى بالروح الممسك بكلّ صغيرة وكبيرة وشاردة بعد أن ألقت إليه قيادها ، وذلك أمر صعب مراسه ، ومن ثمّ كان مثيرا للذّة والمتعة فينا . * * * * * وهو يتخذ منهاجا في تدبره تناسب البيان القرآني المعجز ، هذا المنهاج ذو معالم كليّة أرى حاجة إلى بيان بعضها ، ولن يكون بياني بعض هذه المعالم بالموفي حق الكشف والبيان عن كثير مما يقوم في تفسير البقاعي . * * * إذا ما كان الذي مضي بيانا لمفهوم التناسب عن البقاعي ومستوياته ومجالاته التي يتحقق فيها فإنّ البقاعيّ يتخذ هذا أساسا لمنهاج تأويل

--> ( 1 ) - نظم الدرر : ج 1 ص 11