نصر حامد أبو زيد

94

الاتجاه العقلي في التفسير

والستر . 4 وترد في معنى « الكناية » أو قريبا منها « التعريض » وهي خلاف التصريح وهو « ما توسع في دلالته فصار له وجهان ظاهر وباطن » 5 وذلك في قوله تعالى فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ ( البقرة / 235 ) . وقد وردت مادة « جوز » بمعنى القطع والعبور ، وهذا المعنى ليس بعيدا عن المفهوم المتأخر لكلمة « مجاز » على أساس أن المجاز هو تجاوز المعنى الحقيقي للعبارة إلى معنى آخر يتعلق به تعلقا تاما . . أمّا مادة « عير » الأصل الاشتقاقي لمصطلح « الاستعارة » فلم ترد في القرآن الكريم ، ولذلك كان من الطبيعي أن يكون هذا المصطلح أكثر المصطلحات البلاغية تأخرا في الظهور . وعلى العكس من ذلك كان مصطلح « المثل » مع ما يشتق منه كالتمثيل هو أكثر المصطلحات ظهورا عند المفسرين ، وذلك بحكم كثرة دورانه في القرآن الكريم ودلالته على معنى « التشبيه » . وكان مصطلح « الكناية » أقل ظهورا من مصطلح « المثل » لقلة وروده في القرآن من جانب ، ولعدم وضوح دلالته البلاغية من جانب آخر . أ - مصطلح المثل عند المفسرين ولقد شاع استخدام مصطلح « المثل » على ألسنة المفسّرين مثل ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدى ، ثم على ألسنة اللغويين كأبي عبيدة والفراء من بعد في تحليلهم للعبارات القرآنية . وإذا كانت الكلمة تعدّ مرادفة لمفهوم التشبيه ، فإنها - من جانب آخر قد تتسع للدلالة على معنى التصوير « ومثّل له الشيء صوّره حتى ينظر إليه وامتثله هو تصوره » 6 وهي بذلك تشير - إلى جانب دلالتها على التشبيه - إلى القدرة على التجسيد والتصوير بالعبارات والكلمات . وللكلمة معان أخرى في سياقات مختلفة يحاول المبرد أن يردّها كلها إلى معنى « التشبيه » « المثل مأخوذ من المثال ، وهو قول سائر يشبه به حال الثاني بالأول ، والأصل فيه التشبيه ، فقولهم « مثل بين يديه » إذا انتصب ، معناه أشبه الصورة المنتصبة ، و « فلان أمثل من فلان » أي أشبه بماله من الفضل . والمثال القصاص لتشبيه حال المقتص منه بحال الأول . فحقيقة المثل ما جعل كالعلم للتشبيه بحال الأول » 7 . ومن الضروري الإشارة إلى ما أثارته بعض محتويات الصور القرآنية - التي عبر عنها بالمثل - من الجدل والاستنكار من غير المسلمين . وقد عبر القرآن نفسه عن هذا الاعتراض بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما