نصر حامد أبو زيد
95
الاتجاه العقلي في التفسير
فَوْقَها ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ، وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ( البقرة / 26 ) 8 وتنسب الروايات إلى عمر بن الخطاب أنه لم يفهم معنى بعض الآيات التي سيقت مساق المثل . ويتساءل عن معنى قوله تعالى : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ ، فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ ( البقرة / 266 ) . ولكن أحدا من الحاضرين لم يستطع أن يفسّر له معنى هذه الآية « حتى قال ابن عباس - وهو خلفه : يا أمير المؤمنين ، اني أجد في نفسي منها شيئا . قال : فتلفت إليه فقال : تحول هاهنا ، لم تحقر نفسك ؟ قال : هذا مثل ضربه اللّه عز وجل فقال : أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة ، حتى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فني عمره واقترب أجله ، ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء - فأفسده كله ، فحرقه أحوج ما يكون اليه » 9 وهذه الرواية ، إن صحّت ، ولم تكن مجرد رغبة من الرواة لبيان فضل ابن عباس وعلمه ، تعدّ دلالة على تلك الجدة الأسلوبية التي أثارت اعجاب العرب وحيرتهم في نفس الوقت ، حتى اضطربوا في تحديد تلك الخاصية المميزة للقرآن ، ومن ثم حاولوا ربطه بالشعر والسحر والكهانة . والآية في سياقها العام لا تخرج عن فهم ابن عباس لها ، وكلمة « المثل » ترد في صدر الآية التي قبلها . وإلى جانب مصطلح « المثل » يرد مصطلح « الكناية » في تفسير ابن عباس قريبا جدا من معناه البلاغي ، بل إن ابن عباس يلمح الفارق بين التعبير المباشر والكناية ، وذلك عندما يفسر كلمات مثل « الرفث » و « المباشرة » و « المس » بقوله إنها تعنى « الجماع ولكن اللّه كريم يكني ما شاء بما يشاء » 10 وبذلك يلمح - من بعيد - وظيفة التعبير بالكناية ، وترك المعنى المباشر الذي قد يخدش الحياء ، أو يصدم الشعور ، أو ترى فيه الجماعة عيبا لا يجب التفوه به صراحة . ولكن هذا المصطلح يرد على قلة ، على عكس مصطلح « المثل » الذي يرد كثيرا . ومن الضروري الإشارة إلى أن اجتهادات ابن عباس في تفسير النص القرآني ، لم تكن بعيدة عن جو التأويل والجدل الديني الذي بدأ بانشقاق الخوارج على علي ابن أبي طالب نتيجة رفضهم لمبدأ التحكيم . ولقد كان ابن عباس - فيما يقال - هو رسول علي بن أبي طالب لمجادلة الخوارج ومحاولة إقناعهم بخطإ موقفهم وصحة موقف علي . ولم يخل هذا الجدل من الاستشهاد بالقرآن من كلا الطرفين على صحة موقفه واتساقه مع معطيات القرآن ، حتى تحوّل النزاع - على مستوى