نصر حامد أبو زيد
84
الاتجاه العقلي في التفسير
والمسمى ولا يعتبرهما شيئا واحدا . ويهاجم - عند تفسير البسملة - أبا عبيدة معمر بن المثنى ( ت 207 ه ) لقوله في بيت لبيد : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر ان اسم السلام هو السلام ، ويهاجمه على أساس أنه « لو جاز ذلك . . . لجاز أن يقال : رأيت اسم زيد ، وأكلت اسم الطعام ، وشربت اسم الشراب » 153 ولكن هذا الخلاف يظلّ خلافا لغويا لا يمتدّ إلى أبعد من تفسير البيت أو تفسير البسملة عند الطبري . ويكشف الجاحظ ، وهو بصدد الرد على متأولي هذه الآية عن فهمه للعلاقة بين الاسم والمسمى في اللغة ، أو بين الدال والمدلول كما يقول : « لا يجوز أن يعلّمه ( أي يعلّم اللّه آدم ) الاسم ويدع المعنى ، ويعلّمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه ، والاسم بلا معنى لغو كالظرف الخالي . والأسماء في معنى الأبدان والمعاني في معنى الأرواح . اللفظ للمعنى بدن والمعنى للفظ روح . ولو أعطاه الأسماء بلا معان لكان كمن وهب شيئا جامدا لا حركة له ، وشيئا لا حس فيه ، وشيئا لا منفعة عنده . ولا يكون اللفظ اسما إلّا وهو مضمّن بمعنى ، وقد يكون المعنى ولا اسم له ، ولا يكون اسم إلّا وله معنى » 154 وهذا النص يكشف أمرين : الأمر الأول هو اشتراط تضمّن الاسم لمعنى وإلّا صار لغوا وظرفا خاليا وجسدا ميتا لا منفعة فيه ، ومعنى ذلك أن تعليم اللّه آدم الأسماء لا بدّ أنه تضمّن تعليمه محتويات هذه الأسماء ومضامينها وهي المعاني ومن حقنا هنا أن نستنتج أن العلاقة بين الاسم والمسمى هي ما يطلق عليه الجاحظ « المعنى » . أمّا الأمر الثاني الذي يكشف عنه النص ، فهو تلك التفرقة الحادة بين الأسماء والمعاني . ورغم اعتبار اللفظ جسما والمعنى روحا ، وهو تشبيه ينبئ عن قوة العلاقة بين الألفاظ والمعاني ، فالجاحظ يفترض وجود معان بلا أسماء ، وذلك يؤكّد الفاصل الحاد بينهما في ذهن الجاحظ . وإن كان من ناحية أخرى يحيل وجود أسماء بلا معان . ويكاد القاضي عبد الجبار - في تأويله للآية - يكرر نفس ألفاظه . غير أنه يستخدم كلمة « القصد » بدلا من كلمة « المعنى » التي يستخدمها الجاحظ . يقول : « ولا يصحّ أن يعرف المكلّف الأسماء كلها لأنه لا بدّ من مواضعة متقدمة على لغة واحدة ليفهم بها سائر اللغات ، فمتى لم تتقدم ، لم يصح أن يعرفه مع التكليف ، لأن تعريف الأسماء يقتضي تعريف المقاصد ولا يصحّ فيمن يعرف اللّه باستدلال أن يعرف مقاصده ضرورة » 155 . وإذا كان القاضي قد ربط بين المواضعة والقصد والتكليف من جانب ، وبين التفرقة بين العلم الاستدلالي والعلم