نصر حامد أبو زيد
85
الاتجاه العقلي في التفسير
الضروري من جانب آخر ، وهو أمر لم يتعرّض له الجاحظ بحكم استطراداته ، فإن استخدام القاضي لكلمة « القصد » بدلا من كلمة « المعنى » التي استخدمها الجاحظ ، يجعلهما بمعنى واحد . ويؤكّد ذلك ما يقوله القاضي في مكان آخر حول نفس الآية « إن ظاهر الاسم إنما يسمى بذلك متى تقدّمت فيه مواضعة ، أو ما يجري مجراها ، لأنه إنما يصير اسما للمسمى بالقصد » 156 وهي نفس الفكرة التي طرحها الجاحظ من أن الاسم لا يكون اسما إلّا وهو مضمّن بمعنى ويظلّ الخلاف حول تفسير الآية ، وحول علاقة الاسم بالمسمى يتردد عند المفسّرين ، فالزمخشري يقول في تفسير « الأسماء كلها » « أسماء المسميات ، فحذف المضاف إليه لكونه معلوما مدلولا عليه بذكر الأسماء لأن الاسم لا بدّ له من مسمى وعوّض عنه باللام » ويهاجمه ابن المنير السني لأنه « يفرّ من اعتقاد ان الاسم هو المسمى لأن ذلك معتقد أهل السنة فيعمل الحيلة في ابعاده عن مقتضى الآية » 157 . وإذا كانت كلمة « القصد » ، عند القاضي تعطي نفس مفهوم كلمة « معنى » عند الجاحظ ، فمعنى ذلك أن المواضعة والقصد - جانبي الدلالة اللغوية - غير منفصلين ، إذ المواضعة لا بدّ أن ترتبط بقصد المتواضعين وإلّا استحال التفاهم بينهم . ولكي تؤدي اللغة وظيفة « الإنباء » عند القاضي أو « الإبانة » عند الجاحظ ، لا بدّ من المواضعة . والمواضعة تعدّ بديلا للإشارة للأشياء بهدف الإخبار عنها . وإذا كانت الإشارة كافية في حالة حضور الأشياء ، فإن التسمية تصبح ضرورية للإخبار عنها حالة غيابها عن الإدراك « إذا ثبت أنه يحسن من العاقل أن يشير إلى ما علمه ليعرف به حاله ، لم يمتنع أن يعبّر عنه ببعض الأسماء ليعرف غيره حاله . . . ويدلّ على ذلك أن هذه الأسماء إنما احتيج إليها ليقع بها التعريف ، ويصحّ بها الإخبار عند غيبة المسميات ، لأن الإشارة تتعذّر إليه والحال هذه ، فأقيم الاسم عند ذلك مقام الإشارة عند الحضور . فكما تحسن الإشارة عند الحضور ، إذا حضر المشار إليه لوقوع الفائدة به للمشير والمشار إليه ، فكذلك يحسن الاسم لهذا الغرض عند غيبة المسمى ، أو يكون المسمى مما لا يظهر للحواس لأن ذلك في أن الإشارة لا تصحّ إليه على كل وجه بمنزلة المشاهد إذا غاب » 158 وهكذا تتحدد المواضعة بأنها بديل عن الإشارة للأشياء الحسية ، وذلك بهدف الاخبار عنها حالة غيابها عن الحواس . وتصبح المواضعة ضرورية للإخبار عن تلك الأشياء التي لا تظهر للحواس ، وذلك كالأفكار المجرّدة التي لا تقع على متعين مخصوص كالبقاء والفناء والقدم . . الخ كل هذه الألفاظ التي لا يمكن أن تشير إلى موجودات حسية . والتفرقة بين المحسوسات التي يحسن تسميتها ، وبن الذهنيات التي يجب تسميتها لاستحالة الإشارة إليها يمكن اعتبارها موازاة للمعرفة الإدراكية الضرورية ، والمعرفة النظرية الاستدلالية . وكلا