نصر حامد أبو زيد
80
الاتجاه العقلي في التفسير
وجعل لغة لهم » 139 . وإذا كان الكلام هو المعنى القائم في النفس ، والكلام أمارة تدلّ عليه ، فمن الطبيعي أن يساوي الباقلاني بين دلالة الكلام وغيره من الدلالات كالكتابة والإشارة والرموز الأخرى . ولا يكتفي الباقلاني بقصر هذا التعريف على الكلام الإلهي - محور المعضلة - بل يمتدّ بتعريفه أيضا للكلام البشري « إن حقيقة الكلام على الاطلاق في حق الخالق والمخلوق إنما هو المعنى القائم بالنفس لكن جعل لنا دلالة عليه تارة بالصوت والحروف نطقا ، وتارة بجمع الحروف بعضها إلى بعض كتابة دون الصوت ووجوده وتارة إشارة ورمزا دون الحروف والأصوات ووجودهما » 140 ويكون الفارق بين كلام اللّه وكلام الخلق عنده أن « الخلق كلامهم مخلوق ك هم ، وكلام اللّه ليس بمخلوق ك هو سبحانه وتعالى » 141 وهذا التوحيد بين المعنى النفسي والكلام عند الأشاعرة ، وكذلك توحيدهم بين الدلالة الصوتية وغيرها من أنواع الدلالات ، ثم عدم تفرقتهم بين الكلام الإلهي والكلام البشري ، قد يوقعهم في مجموعة من الاعتراضات والالزامات لو استخدمنا طريقة المعتزلة في الجدل . وأول هذه الالزامات أنه يلزمهم وصف الأخرس بأنه متكلم لأن نفسه لا تخلو من معان . ويلزمهم وصف من يدل أخرسا على الطريق بأنه متكلم وإن كان يشير دون صوت . وأهم من ذلك كله أنه يلزمهم وصف كل صامت في الحال بأنه متكلم ، لأنه لا يخلو - رغم صمته - من التفكير في أمر من الأمور . غير أن المعتزلة لا ينكرون المعاني القائمة بالنفس ، وإن كانوا لا يعتبرونها كلاما ، بل يتوقفون عند حد اعتبارها معاني ويكون « غرضهم بقولهم » في نفس الكلام « أني عالم بأمر أريد أن أبديه لك بالخطاب ، وأنا عازم عليه » 142 « وقولهم : فلان يرتّب الكلام في نفسه ثمّ يتكلم به يعنون به أنه يرتّب معنى الكلام ، وإلّا كان قولهم : ثم يتكلم به ناقضا له ، لأن ما رتّب وفعل لا يجوز أن يفعل من بعد » 143 ويبدو الخلاف هنا خلافا شكليا ، خصوصا والمعتزلة - أيضا - يعتبرون الكلام دلالة على ما في النفس ولا ينكرون ذلك ، وإن كانوا يفرّقون بينهما ولا يوحّدون كما فعل الباقلاني « فلو كان الكلام معنى في النفس لم يصح أن يقال في العبارة أنها تدلّ عليه ، لأن لا نسبة بينها وبينه ولا تعلق » 144 ولكن ارتباط القمية - برمتها - بقضية التوحيد هو الذي جعل المعتزلة ينفرون من اعتبار الكلام هو المعاني القائمة في النفس ، لأن المعاني - عندهم - هي الصفات ، وهم لا يثبتون للّه صفة مغايرة لذاته كما يفعل الأشاعرة . ولعل هذا يفسّر لنا استخدام القاضي لمصطلح « القصد » الذي اعتبره - إلى جانب المواضعة - شرطا لاعتبار الكلام دلالة ، وسنتعرّض