نصر حامد أبو زيد

81

الاتجاه العقلي في التفسير

لدلالة هذا المصطلح عمّا قريب . وحّد الباقلاني - كما لاحظنا - بين دلالة الصوت والكتابة والإشارة والرمز . ويقارن القاضي عبد الجبار - من جانب المواضعة - بين الكلام من جانب ، وبين الإشارات والمعجزات من جانب آخر . ومقارنته بين الكلام والإشارات ينتهي منها إلى أن الإشارة يمكن أن تحلّ محلّ الأصوات إذا سبقت عليها مواضعة ، غير أن الأصوات تعبّر بشكل أوسع عمّا لا تستطيع الإشارة التعبير عنه بحكم تعدد الأصوات وكثرتها . وينتهي من مقارنته بين الكلام والمعجزات إلى أن المعجزة أشدّ دلالة على ما تدلّ عليه من الكلام ، لأن الكلام قد يقع فيه الاشتراك والمجاز والاستعارة . وكلتا المقارنتين ضرورية لفهم طبيعة المواضعة من جانب ، ولفهم خصوصية الدلالة الكلامية من جانب آخر . وهي خصوصية لم يتعرّض لها الأشاعرة تفصيلا لتوحيدهم بين أنواع الدلالات الوضعية من جهة ، ولقولهم بالتوقيف في المواضعة من جهة أخرى . والمقارنة التي يعقدها القاضي بين الإشارة والكلام توحّد بينهما بشرط وجود المواضعة « ولذلك نجد أحدنا يستدعي من غلامه سقي الماء بالإشارة ، على حد ما يستدعيه بالعبارة ، لعادة تقدّمت ، يعرف بها أن الإشارة تحلّ محل العبارة التي تقدّمت معرفة فائدتها » 145 . وكما تدلّ الإشارة إذا تقدّمت عليها مواضعة ، تدلّ المعجزة كدلالة الكلام ، إذا وقعت بعد ادّعاء النبي أنه نبي ، وأن علامة صدقه أن تنقلب العصا حية . فإذا انقلبت العصا حية كان هذا الفعل دلالة على صدق النبي ، وذلك للاتفاق السابق بينه وبين من يتحدث إليه . فإذا انتفى شرط الاتفاق السابق بين النبي وقومه لم يكن لانقلاب العصا أي دلالة . ومعنى ذلك أن المعجزة لا تدلّ على صدق النبي إلّا باتفاق سابق أو مواضعة سابقة على دلالتها « وعلى هذا الوجه تنزل المعجزات منزلة التصديق بالقول فنقول : إذا صحّ لو صدقه تعالى ، عند ادّعائه النبوة والرسالة كونه نبيا ، فكذلك إذا فعل ما يحلّ هذا المحل من المعجزات ، لأن مجموع قوله : اللهم إن كنت صادقا فيما ادّعيت من الرسالة فاقلب العصا حية ، ثم وقوع ما سأل عنه مطابقا لمسألته بمنزلة المواضعة المتقدمة على التصديق ، بل ذلك أقوى في بابه ، لأن من حق التصديق بالقول أن يقع فيه ، والحال هذه ، المجاز والاستعارة لأمر يرجع إلى ذات الكلام ، وصحة هذه الطريقة فيه . ولا يتأتى ذلك في الفعل المخصوص إذا التمسه الرسول من المرسل للمرسل اليه » 146 فالمعجزة شأنها شأن الكلام إذا وقعت تصديقا لادّعاء النبي . بل يذهب القاضي إلى أنها أشدّ