نصر حامد أبو زيد
79
الاتجاه العقلي في التفسير
وجه يسمع ، ويفهم معناه ، ويؤدي الملك ذلك إلى الأنبياء - عليهم السلام - بحسب ما يأمر به عز وجل ويعلمه صلاحا ، ويشتمل على الأمر والنهي والخبر وسائر الأقسام ، ككلام العباد » 136 وبذلك ينتهي المعتزلة إلى اثبات حدوث كلام اللّه ونفي قدمه وذلك حفاظا على وحدة اللّه الأزلية . أمّا الأشاعرة فقد كان لهم منحى آخر ، واتجاه مغاير ، وإن كانت غايتهم وغاية المعتزلة واحدة وهي التنزيه والتوحيد . فقد فهم بعض المسلمين أن نفي الكلام عن اللّه في الأزل يعني وصفه بنقيض الكلام وهو الخرس . والخرس صفة نقص لا تجوز على اللّه الذي جمع صفات الكمال المطلقة . ولم يكن هذا الاعتراض واردا في ذهن المعتزلة ، لأنهم - كما سبقت الإشارة - اعتبروا الكلام صفة من صفات الفعل لا من صفات الذات كما ذهب الأشاعرة ، وربطوه ببعثة الرسل التي يفترض - قبلها - وجود البشر الذين تبعث الرسل لمصلحتهم . ويعبّر الأشعري عن هذا المنحى حين يقول : « ومما يدلّ من القياس على أن اللّه لم يزل متكلما أنه لو كان لم يزل غير متكلم وهو ممن لا يستحيل عليه الكلام لكان موصوفا بضد من أضداد الكلام من السكوت أو الآفة . ولو كان لم يزل موصوفا بضد الكلام لكان ضد الكلام قديما . ولو كان ضد الكلام قديما لاستحال أن يعدم وأن يتكلم الباري لأن القديم لا يجوز عدمه كما لا يجوز حدوثه فكان يجب أن لا يكون الباري تعالى قائلا ولا آمرا ولا ناهيا على وجه من الوجوه وهذا فاسد عندنا وعندهم - وإذا فسد هذا صحّ أن الباري لم يزل متكلما قائلا » 137 والمعتزلة - على عكس ما يقول الأشعري - لا يعتبرون اللّه قائلا ولا آمرا فيما لم يزل . فقوله تعالى ، وأوامره ، ونواهيه ، محدثة لتعلقها بمن يتوجه إليهم الكلام والأمر والنهي ، وهم المكلّفون الذين يستحيل وصفهم بأنهم موجودون فيما لم يزل . ويذهب ابن متويه ( ت 469 ه ) أحد تلامذة القاضي عبد الجبار - ردا على هذا الرأي - إلى أن الخرس والسكوت « ليس بينهما وبين الكلام تضاد ، لأن الخرس فساد يلحق آلة الكلام » 138 واللّه - عند المعتزلة - ليس متكلما بآلة . وإذا كان تعريف المعتزلة للكلام أنه الأصوات المنظومة المفيدة التي تترتب في الحدوث على وجه مخصوص ، فقد كان من الطبيعي أن يعترض الأشاعرة على هذا التعريف لما يؤدي إليه من حدوث الكلام ، وبالتالي خلق القرآن . ويعدّ الباقلاني أول من تعرّض للرد على هذا التعريف ، فذهب إلى « أن الكلام الحقيقي هو المعنى الموجود في النفس لكن جعل عليه امارات تدلّ عليه . فتارة تكون قولا بلسان على حكم أهل ذلك اللسان وما اصطلحوا عليه وجرى به