نصر حامد أبو زيد
76
الاتجاه العقلي في التفسير
الأشعري ، وصلة كليهما بأبي علي الجبائي معروفة . فقد جمعت بين التلمذة والبنوة الصريحة عند أبي هاشم ، وبين التلمذة وبنوة التربية عند الأشعري . وينقل السيوطي عن الفخر الرازي آراء المختلفين حول هذه القضية « الألفاظ إمّا أن تدلّ على المعاني بذواتها ، أو وضع اللّه إياها ، أو بوضع الناس ، أو يكون البعض بوضع اللّه والباقي بوضع الناس ، والأول مذهب عباد بن سليمان ، والثاني مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وابن فورك ، والثالث مذهب أبي هاشم ، وأمّا الرابع فإمّا أن يكون الابتداء من الناس والتتمة من اللّه ، وهو مذهب قوم . أو الابتداء من اللّه والتتمة من الناس ، وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني » ( المزهر 1 / 6 ) ومن الواضح أن هذا القسم الرابع بفرعيه يمكن إدراجه تحت القسمين الثاني والثالث ، فالفرع الأول منه يدخل تحت القول بالاصطلاح ، وقد قال به القاضي عبد الجبار فيما تقدم . أمّا الفرع الثاني فهو يدخل بالضرورة تحت القول بالتوقيف . ومن الواضح أن القول الأول - قول عباد بن سليمان - لم يكتب له الذيوع والانتشار ولم يتحمس له أحد من المشاركين في بحث المشكلة ، بل رفضوه جميعا « ودليل فساده أن اللفظ لو دلّ بالذات لفهم كل واحد منهم كل اللغات ، لعدم اختلاف الدلالات الذاتية » 123 . ومن الطبيعي أن يستدلّ القائلون بالتوقيف على صحة رأيهم بالآية الكريمة وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها وكل تفسيرات المفسّرين القدماء ابتداء من ابن عباس يمكن - في هذه الحالة - أن يستدلّ بها . 124 أما الدليل العقلي فيعرضه ابن فارس على النحو التالي : لو كانت اللغة اصطلاحا لجاز الاستشهاد بأشعار المحدثين وبكلامنا نحن المحدثين ، والدليل على أنها توقيف « اجماع العلماء على الاحتجاج بلغة القوم فيما يختلفون فيه أو يتفقون عليه ، ثم احتجاجهم بأشعارهم . ولو كانت اللغة مواضعة واصطلاحا لم يكن أولئك في الاحتجاج بهم بأولى منا في الاحتجاج بنا لو اصطلحنا على لغة اليوم ولا فرق » 125 غير أن هذا الرأي يؤدّي - بداهة - إلى انكار فكرة التطور في اللغة ، ما دام دليل التوقيف هو الاستشهاد بلغة القدماء دون المحدثين . ويبدو أن ابن فارس بالفعل يؤمن بذلك ، وإن كان لا ينكر حدوث التجديد والتطور في اللغة ولكنه يقف بالتطور عند عصر الرسول صلى اللّه عليه وسلم حيث بلغت اللغة غاية نضجها وتمامها . ومعنى ذلك أن التوقيف في اللغة لم يتم دفعة واحدة ، بل بدأ بآدم ، وظلّ يتطور وتنمو اللغة مع احتياج البشر وارسال الرسل ، حتى كانت بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم « فأتاه اللّه - عز وجل - من ذلك ما لم يؤته أحدا قبله تماما على ما أحسنه من اللغة المتقدمة . ثم قرّ الأمر قراره فلا نعلم لغة من بعده حدثت » 126 . وهكذا ينتهي ابن فارس إلى ربط الحاجة للغة بالبعثة ، تماما كما فعل أبو علي