نصر حامد أبو زيد
77
الاتجاه العقلي في التفسير
الجبائي ، وما دامت البعثة والشريعة تأتي من عند اللّه ، واللغة من لوازمها ليفهم عن اللّه ما أنزل ، فهي بدورها توقيف من اللّه علّمه عباده حتى يفهموا عنه . * * * ذهب أبو علي الفارسي - أستاذ ابن جني - إلى ما ذهب إليه أبو علي الجبائي من أن اللغات « من عند اللّه » واحتج بقوله سبحانه ، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها 127 ورغم محاولة ابن جني رفع التناقض وتأويل الآية وجعلها بعيدة عن أن تكون موضع خلاف على أساس « أنه قد يجوز أن يكون تأويله أقدر آدم على أن واضع عليها ، وهذا المعنى من عند اللّه لا محالة . فإذا كان ذلك محتملا ، غير مستنكر ، سقط الاستدلال به » 128 . وهو تأويل يخرج من الافتراضات التي افترضها كل من أبي هاشم والقاضي عبد الجبار وتأوّلا الآية على أساسها . رغم هذه المحاولة الناجحة إلى حد كبير ، والتي تقترب من حل المشكلة ، يعود ابن جني ليفترض ان اللّه قد يجوز أن يواضع ابتداء ، ودون مواضعة على لغة سابقة وذلك « بأن يحدث في جسم من الأجسام ، خشبة أو غيرها ، اقبالا على شخص من الأشخاص ، وتحريكا لها نحوه ، ويسمع في نفس تحريك الخشبة نحو ذلك الشخص صوتا يضعه اسما له ، ويعيد حركة تلك الخشبة نحو ذلك الشخص دفعات ، مع أنه - عز اسمه - قادر على أن يقنع في تعريفه ذلك ، بالمرة الواحدة ، فتقوم الخشبة في هذا الايماء ، وهذه الإشارة ، مقام جارحة ابن آدم في الإشارة بها في المواضعة » 129 وهو افتراض لا يختلف كثيرا عن افتراض زملائه المعتزلة أن اللّه يخلق كلاما في جسم ، شجرة مثلا ، يسمعه النبي ، وأنه لا يجوز أن يكون اللّه متكلما إلّا على هذا النحو ، دون أن يحلّ الكلام - وهو عرض - في ذاته . غير أن هذا الافتراض قصد منه نفي قدم الكلام الإلهي ، وافتراض ابن جني مجرد محاولة للجمع بين جواز أن تكون اللغة توقيفا من اللّه ، وبين نفي الإشارة والجارحة عن اللّه . والواقع أن ابن جني ظلّ مترددا بين الأمرين - بين الاصطلاح والتوقيف - وسجّل لنا هذه الحيرة والتردد . « واعلم فيما بعد ، أنني على تقادم الوقت ، دائم التنقير والبحث في هذا الموضع ، فأجد الدواعي والخوالج قوية التجاذب لي ، مختلفة جهات التغول على فكري ، وذلك أنني إذا تأمّلت حال هذه اللغة الشريفة ، الكريمة ، اللطيفة ، وجدت فيها من الحكمة ، والدقة ، والارهاف ، والرقة ، ما يملك عليّ جانب الفكر ، حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السحر ، فمن ذلك ما نبّه عليه أصحابنا رحمهم اللّه ، ومنه ما حذوته على أمثلتهم ، فعرفت بتتابعه وانقياده ، وبعد مراميه وآماده ، صحة ما وفقوا لتقديمه منه ، ولطف ما أسعدوا به ، وفرق لهم عنه ، وانضاف إلى ذلك