نصر حامد أبو زيد
75
الاتجاه العقلي في التفسير
يعرّف المكلّف الأسماء كلها لأنه لا بدّ من مواضعة متقدمة على لغة واحدة ، ليفهم بها سائر اللغات ، فمتى لم تتقدم ، لم يصح أن يعرّفه مع التكليف ، لأن تعريف الأسماء يقتضي تعريف المقاصد ولا يصحّ فيمن يعرف اللّه باستدلال أن يعرف مقاصده ضرورة ، حتى إذا عرف لغة واحدة صحّ أن يخاطبه بها فيعرفه سائر اللغات ، فلا بدّ أن يكون آدم قد عرف مواضعة الملائكة على لغة ما ، ثم علّمه الأسماء في سائر اللغات بتلك اللغة » 119 وإذا كانت الآية تنصّ على أن اللّه قد علّم آدم كل الأسماء ، فسلاح التأويل كفيل بحل المشكلة . والدليل العقلي على استحالة أن يكون قد علّمه كل الأسماء ، لاستحالة ابتداء المواضعة على اللّه ، كفيل بتخصيص عموم لفظ « كل » . فإذا كان هذا اللفظ يدلّ على العموم ، وليس في لفظ الآية ما يدلّ على تخصيص هذا العموم كالاستثناء أو غيره من أدوات التخصيص اللغوية ، فإن هذا الدليل العقلي يخصص عموم الآية . ومن جهة أخرى فالعقل يحدد قصد اللّه ويعرفه ، وهو بذلك لا يقلّ دلالة عن القرينة اللفظية إن لم يزد عليها . « إذا صحّ بما ذكرناه من دليل العقل أن العلم بمراده بالخطاب لا يصحّ إلّا على الوجه الذي قدّمناه ( يعني تقدم المواضعة ) وجب تخصيص قوله « الأسماء كلها ، والقطع على أنه لا بدّ من لغة عرفها إمّا بمواضعة بينه وبين حواء أو الملائكة ، أو على جهة الاتباع للغتهم ، ثم علّمه أسماء تلك الأجناس باللغات الأخر ، وإن لم يمتنع أن يعرّفه أسماء أشياء لم يتواضع عليها في تلك اللغة ، لأن ذلك غير ممتنع في بعض الأسماء ، إذا حصلت المواضعة على غيرها من الأسماء . وبعد ، فإن ظاهر الآية يقتضي أن ما علمه من الأسماء هو ما تقدّمت المواضعة عليها ، وصارت بذلك أسماء ، لأن الاسم إنما يسمى بذلك متى تقدّمت فيه مواضعة أو ما يجري مجراه ، لأنه إنما يصير اسما للمسمى بالقصد ، ومتى لم يتقدّم تعلقه بالمسمى لأجل القصد ، لم يسم بذلك » 120 . * * * خالف أهل السنة والأشاعرة المعتزلة في قضية المواضعة الاصطلاحية للغة . وهذا الخلاف يرتدّ في جذوره الحقيقية ، إلى قضية خلق القرآن من جهة ، وقضية المعرفة من جهة أخرى . ذهب أبو الحسن الأشعري إلى أن القرآن « كلام اللّه غير مخلوق » 121 ، وذهب إلى تقديم النقل على العقل . يقول فيما يحكيه الباقلاني عنه ويوافقه عليه « لا مدخل للعقل والقياس في ايجاب معرفته وتسميته وإنما يعلم ذلك بفضله من جهته » 122 . وإذا كان أول من قال بالمواضعة الاصطلاحية للغات هو أبو هاشم الجبائي ، فإن أول من قال بالتوقيف من غير المعتزلة هو أبو الحسن