نصر حامد أبو زيد
69
الاتجاه العقلي في التفسير
الفعل يتعلّق بالفاعل ، وأن ثمّ أجسادا في العالم لا نقدر عليها ، فلا بدّ من فاعل لها مغاير لها ولنا . وأن هذه الأجسام لا تخلو من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون وكافة الأعراض ، وهذه الأعراض محدثة ولا يجوز عليها البقاء وكل ما لا يخلو من الحدوث محدث مثله . وهكذا ينتهي المتكلم إلى اثبات حدوث العالم . لا يمكن لفاعل العالم أن يكون محدثا وإلّا كان مثلها ، وبذلك تثبت صفة القدم للّه . ثم يستدلّ بوقوع الفعل أيضا على القدرة ، وبوقوعه محكما على العلم . ويستدلّ بوجود القدرة والعلم على الحياة 99 . أمّا النوع الثاني من الأدلّة ، وهو ما يدلّ بالدواعي والاختيار ، فهو النوع الذي يتوصّل به إلى معرفة « العدل » . وهذا النوع يقع في الترتيب تاليا للنوع الأول . بمعنى أننا إذا عرفنا اللّه بصفاته وأنه ليس جسما ولا عرضا « ولا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام من الصعود والهبوط والارتفاع والانحدار والانتقال من مكان إلى مكان ولا تجوز عليه الزيادة والنقصان » 100 . . الخ ، إذا عرفنا ذلك أمكننا أن نعرف ما يختاره من الأفعال وما يمتنع عنه . وما دمنا علمنا أنه عالم ، فلا بدّ أنه عالم بقبح القبيح ومستغن عنه ، وعالم باستغنائه عن فعله . ومن شأن هذا العلم أن يكون داعيا له لاختيار الأفعال الحسنة دون القبيحة . وينتهي بنا كل ذلك إلى « العلم بكونه عدلا حكيما ، لا يفعل القبيح ولا يخلّ بالواجب ، ولا يأمر بالقبيح ، ولا ينهى عن الحسن ، وأن أفعاله كلها حسنة . فبهذه الطرق يحصل المرء لنفسه علوم التوحيد والعدل » 101 . والنوع الثالث من الأدلّة وهو الذي يدلّ بالمواضعة وتعرف به النبوات والشرائع ، أو بكلمات أخرى هو الوحي ، الذي نستطيع عن طريقه معرفة الشريعة . غير أن علينا أن نلاحظ أن القاضي قد رتّب الأنواع الثلاثة من الأدلّة ترتيبا بحسب أهميتها المعرفية . فأدلّة التوحيد أولا ، ثم أدلّة العدل فأدلّة الشرع . ومعنى هذا أننا - كما سبقت الإشارة - لا نستطيع معرفة الشرع إلّا بعد معرفة التوحيد والعدل إذ أن معرفة الشرع فرع عليهما . ويفرّق القاضي عبد الجبار بين أنواع الأدلّة من وجه آخر يكشف بشكل أوضح عن الدلالة الشرعية « اعلم أن الأدلّة على ضربين : أحدهما يدلّ على ما يدلّ عليه ، لوجه يختصه لا يتعلق باختيار الفاعل له وما جرى مجراه فهذا لا يجوز أن تتغير حاله في الدلالة ، وذلك كدلالة الأعراض على حدوث الأجسام ، والفعل بمجرده على أن فاعله قادر ، وبكونه محكما على أنه عالم . والثاني يدلّ على مدلوله ، لوقوعه على وجه له تعلق باختيار فاعله ، كدلالة الكلام على ما يدلّ عليه ، لأن الخبر إنما