نصر حامد أبو زيد

70

الاتجاه العقلي في التفسير

يدلّ على المخبر عنه من حيث قصد به الاخبار عما هو خبر عنه ، ومن حيث كان فاعله على صفة ولا يدلّ بجنسه » 102 ومعنى ذلك أن الكلام - الدلالة الشرعية - لا يدلّ إلّا بعد فهم دواعي المتكلم وقصده . ولا يمكن فهم الدواعي إلّا بعد معرفة التوحيد والعدل . أي معرفة اللّه بصفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز . وهذا هو الشرط الأول لفهم الدلالة الشرعية . أمّا الشرط الثاني فهو المواضعة ، فالكلام - الدلالة الشرعية - لا يمكن أن يدلّ على ما يدلّ عليه إلّا مع قدم المواضعة . هذه التفرقة الحاسمة بين أنواع الدلالات الثلاث ، والفصل بينها ، وترتيبها ترتيبا تنازليا يبدأ بالأهم فالمهم ، أو بالعلّة فالنتيجة ، هو لبّ الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة . فلقد رأينا أن الباقلاني لم يميز بوضوح بين الدليل العقلي والدليل الشرعي من حيث الترتيب والأهمية ، فأحيانا يعتبر العقل حكما على الشرع ، وأحيانا يفعل العكس . وكان سلوكه العملي تطبيقا حرفيا لمبدأ سيادة الشرع على العقل . ومن جهة أخرى لم نجد عنده فرقا حاسما بين الدلالة الشرعية ودلالة اللغة ، بالرغم من أنه اعتبرهما دلالتين . أمّا القاضي عبد الجبار فقد وحّد بينهما ، وكان هذا مدخله الطبيعي لدراسة القرآن ولقضية التأويل ومن ثمّ تحتاج لوقفة متمهلة . 4 - الدلالة اللغوية وشرط المواضعة يعدّ البحث في « الكلام » قضية خلافية حادة بين المعتزلة وخصومهم ، خصوصا الأشاعرة . وإذا كان كل من الباقلاني والقاضي عبد الجبار قد اعتبر الدلالة الشرعية تدلّ من جهة المواضعة والمواطأة ، وأضاف القاضي إليها شرط « القصد » ، فإنهما لم يتفقا على تحديد مفهوم الكلام ، ولا على تحديد جهة المواضعة والمواطأة . والجذر الديني لهذه المشكلة يتصل - في الفكر الاعتزالي - بقضية التوحيد وبقضية خلق القرآن . وقد كان هدف المعتزلة من إثارة هذه المشكلة - متأثرين بمن سبقهم من المتكلمين كالجعد بن درهم وغيلان الدمشقي - مرتبطا برغبتهم في نفي وجود أي صفة قديمة خارجة عن الذات الإلهية ، وذلك ليخلص لهم مبدأ التنزيه والتوحيد نقيا من أي ايهام بالتعدد ولذلك فصلوا بين صفات الذات وصفات الفعل . واقتصرت الصفات الذاتية عندهم على العلم والقدرة والحياة والقدم ، وهي صفات ليست منفصلة عن الذات ، بل هي هو ؛ فاللّه - عند أبي . الهذيل العلاف - « عالم بعلم هو هو ، وقادر بقدرة هي هو ، وهو حي بحياة هي هو » 104 . أمّا الكلام فقد اعتبره المعتزلة من صفات الفعل . وهي صفات لا تختلف في الغائب عنها في الشاهد ، وبالتالي يجوز فيها القياس ، وإقامة معرفتنا لما