نصر حامد أبو زيد

62

الاتجاه العقلي في التفسير

شيء ما أن يصل به إلى مرحلة أن يجعله كالمدرك بالحواس ، وبهذا يكون الإدراك أوضح طرق العلم « اعلم أنه لا طريق للعلم بالشيء أوضح من الإدراك . فمتى تناول الإدراك شيئا فقد استغنى في اثباته عن دليل ، لأن نهاية ما يبلغه المستدلّ على اثبات الشيء أن يردّه إلى المدرك . فإذا حصل الشيء مدركا فالواجب في اثباته أن يكون أصلا وأن يستغني عن دليل . ولهذه الجملة لم يحتج في اثبات السواد إلى دليل وإن احتجنا إلى ضرب من التأمل في كونه غير المحل » 74 ومعنى ذلك ان المعرفة الإدراكية أو الحسيّة تختلف عن المعرفة الاستدلالية - وهي مرحلة النظر - في أنها أكثر منها وضوحا وبيانا . ولكن هذه الثقة في الإدراك الحسي قد يعترض عليها معترضون زاعمين أنه « لا حقيقة للأشياء في نفسها وحقيقتها » 75 وأن المدرك هو الذي يحدد حقيقة الشيء حسب ما يعتقده ويدركه ، بمعنى أن الأشياء ليس لها وجود مستقل عن مدرك يهبها - عن طريق عملية الإدراك - وجودها الذي لا ينفصل أو يستقلّ عن معتقداته وأفكاره . ويتصدّى القاضي عبد الجبار للفصل بين المدرك والشيء المدرك على أساس أن عملية الإدراك لا دخل لها في تحديد طبيعة الشيء أو تحديد صفاته . وهذا الفصل بين طرفي الإدراك هو ما يثبت عند المعتزلة وجود الواقع الخارجي ، ويثبت نتيجة لذلك عملية الإدراك ، ومن ثمّ يهبها موضوعيتها . ويلزم القاضي أصحاب هذا الرأي الوقوع في التناقض ، على أساس أن « هذا يوجب أن يصحّ منا الجسم والقدرة إذا اعتقدنا ذلك فيهما ، بل يوجب أن يكون تعالى موجودا ومختصا بسائر ما هو عليه من جهتنا إذا اعتقدنا كونه كذلك ، بل يوجب إذا اعتقد المعتقد ، في الشيء ، جوهرا وسوادا ، أن يحصل بهذه الصفة ، وقد بينا فساد ذلك ، بل يجب على هذا صحة كون الشيء الواحد بياضا سوادا إذا اعتقد المعتقد أن ذلك فيه ، وقديما محدثا ، وموجودا معدوما . وقد بيّنا أن العلم باستحالة ذلك ضروري » 76 ويزيد القاضي هذه الفكرة وضوحا حين يردّ على من يسميهم « أصحاب التجاهل » الذين يعتمدون في نفي المعرفة الحسية على ما هو مشاهد من خداع الحواس . يقودنا القاضي في ردّه عليهم إلى شروط صحة المعرفة الحسية ، أو الإدراك ، وهي سلامة الحاسّة وارتفاع الموانع . يقول « فأمّا تعلقهم بأن المدرك يسكن إلى أن السراب ماء ، وأن العسل إذا غلب عليه الصفراء مرّ ، كسكونه إلى سائر ما يدركه ، ثم ينكشف له خلاف ما اعتقد ، فما الذي نؤمنه من مثله في سائر المدركات التي يعلمها ، فبعيد . لأن نفسه لا تسكن إلى أن ما رآه ماء وانما تشاهده بصفة الماء لتشبهه به في البياض واللمعان واضطرابه في الموضع الذي أدركه . فما