نصر حامد أبو زيد

63

الاتجاه العقلي في التفسير

أدركه صحيح ، وإن أخطأ في اعتقاده . وليس كذلك ما يعلمه من كون الماء ماء ، عند مشاهدته له » 77 وعلى ذلك فالمعرفة الحسية معرفة صحيحة بشرط سلامة الحاسّة وارتفاع الموانع التي قد تخدع الحواس أو تضللها . وإذا كانت الحاسّة سليمة ، والموانع مرتفعة ، وجب اثبات ما ندركه ونفي ما لا ندركه « إذا ما كان طريق العلم به الإدراك بالحواس وجب نفيه إذا لم يدرك مع سلامة الحاسة وارتفاع الموانع المعقولة لعدم الطريق الذي به يتوصّل إلى معرفته » 78 هذا الحرص على اثبات الإدراك الحسي ، واعتباره علما ضروريا عند كل من الأشاعرة والمعتزلة ، يعدّ مسألة هامة وضرورية لا ثبات العالم الخارجي الذي يستدلّ بوجوده على وجود الصانع . غير أن المعرفة الحسية ليست الطريق الوحيد للمعرفة ، بل هي أول طريق المعرفة ، فالحس « إنما نعبّر به عن أول العلم بالمدركات » 79 . إذا كانت المعرفة الحسية هي أول العلم بالمدركات ، فما هي العلاقة بينها وبين المعرفة العقلية ؟ يعرّف القاضي العلم بأنه « المعنى الذي يقتضي سكون نفس العالم إلى ما تناوله » 80 فكل معرفة أدّت إلى سكون النفس إلى ما عليه المعلوم اعتبرت علماء ، سواء أكانت علما بالمدركات أم علما ضروريا ، أم علما مكتسبا . ومن هذه الزاوية تعدّ هذه العلوم علوما منفصلة لا يقضي صحة أحدها على صحة آخر . غير أن هذه العلوم - من جانب آخر - تتصل اتصالا وثيقا ، فالعلم بالمدركات - الذي هو نتيجة للإدراك الحسي - يعدّ مقدمة للعلوم الضرورية . وهذه بدورها تعدّ مقدمة للوصول إلى العلوم المكتسبة عن طريق النظر والاستدلال . وعلى ذلك لا يصحّ القول بأن علوم الحواس قاضية على علوم العقل وحكما على صحته ، إلّا على معنى « أنه لولا العلم بما يدرك بالحواس ، لما صحّ أن يعلم الانسان سائر الأمور . وإن أرادوا بذلك أن بالإدراك تعلم صحة العلوم العقلية فذلك باطل . . . ويجب على هذا ، أن يكون العقل قاضيا على صحة العلم بالمدركات ، لأن به نعلم صحتها » 81 أي أن هذه العلوم ترتبط ببعضها البعض ارتباط العلّة بالنتيجة ، ولا يقضي الإدراك الحسي على العلوم العقلية ولا يحكم بصحتها . والصحيح أن علوم العقل هي الحاكمة على علوم الإدراك الحسي ، وهو ما عبّر عنه الجاحظ بقوله : « للأمور حكمان : حكم ظاهر للحواس ، وحكم باطن للعقول ، والعقل هو الحجّة » 82 ومعنى ذلك أن علوم الحس إذا أدّت إلى العلم الذي يقتضي سكون النفس كانت علما منفصلا بذاته . والعلاقة بينها وبين علوم العقل أن هذه تبنىّ عليها . وهذا الانفصال والاستقلال لا يمنع أن يكون العقل حاكما على الحس ،