نصر حامد أبو زيد

61

الاتجاه العقلي في التفسير

أنه قد أدّى ما كلّف » 69 وهذه المعرفة تحتاج للقوة المميزة بين الأشياء والأفعال . وخلافا لما ذهب إليه العلاف والنظّام من ضرورية هذه المعرفة ، التي تردّ الانسان إلى حالة الجبر وتنفي عنه الاختيار ، ذهب القاضي عبد الجبار إلى ضرورة أن تكون المعرفة من فعل الانسان . والوسيلة التي يتوصّل بها الانسان إلى المعرفة هي العقل ، ومن ثمّ فلا بدّ من أن يزوّد اللّه الانسان بالعقل ليمكّنه من أداء ما كلّف به على الوجه الذي تتحدد به مسئوليته عن الفعل . « وإن كان العلم بذلك الشيء مما لا يكون إلّا ضروريا فلا بدّ من أن يخلقه - تعالى - فيه . وإن صحّ كونه مكتسبا حسن من القديم - تعالى - أن يمكّنه منه ليصحّ أن يعلم ويؤدي ما علمه ، على الوجه الذي كلف » 70 العقل - إذن - ضروري للمكلّف حتى يستطيع أداء ما كلّفه اللّه به . والمعرفة التي يحتاج إليها المكلف تنقسم إلى ضرورية ، ومكتسبة . والمعارف الضرورية لا بدّ أن يخلقها اللّه في العبد ، كما أنه يحسن أن يمكّنه من العلوم المكتسبة . ولمّا كانت العلوم الضرورية مقدمة للعلوم المكتسبة وتمهيدا لها ، لم يفصل القاضي عبد الجبار بين العلوم الضرورية والعقل . وعرّف العقل بناء على ذلك بأنه « عبارة عن جملة من العلوم مخصوصة ، متى حصلت في المكلّف صحّ منه النظر والاستدلال والقيام بأداء ما كلّف » 71 ويرفض القاضي أن يسمي العقل جوهرا أو آلة أو حاسّة أو قدرة إلّا على سبيل التشبيه والتوسع ، وذلك لأن الجواهر والآلات والحواس والقدرة مما تقع فيها الزيادة والنقصان » . وهذا الحرص على عدم الفصل بين العقل والعلوم الضرورية عند المعتزلة يعبّر عن ايمانهم بتساوي البشر في هذه العلوم الضرورية ، أي تساويهم فيما وهبهم اللّه من عقل . ومن هذه العلوم الضرورية ضرورة العلم بالمدركات ، فلا بدّ للانسان « من أن يكون عالما بما يدركه ، ويعلم من حاله أنه لو أدركه غيره لعلمه إذا لم يكن هناك لبس » 72 ووجه الضرورة في هذا أن الانسان « لو لم يحصل عالما بالمدرك لم يصح أن يعرف أحوال المدركات ، ولما تمّ منه استدلال على اثبات الأعراض وحدوث الأجسام وصفات الفاعل ولا على العدل بأسره . فالحاجة إليه في التكليف ماسّة » 73 والقاضي بذلك يحدد الغاية من التكليف ومن المعرفة معا وهي معرفة اللّه - المكلّف - ومعرفة صفاته من التوحيد والعدل للتوصّل من وراء ذلك إلى معرفة التكليف وأدائه . وبناء على هذه الغاية تتحدد طبيعة العقل ، أي العلوم الضرورية التي لا بدّ للمكلّف من معرفتها . وأول هذه العلوم هو العلم بالمدركات . والعلم بالمدركات لا يصحّ أن يختلف عليه اثنان ، بل لا بدّ أن يتساوى فيها البشر إذا لم يكن هناك لبس . وهو من هذه الزاوية يعدّ علما ضروريا لا يحتاج لا ثبات ، فغاية المستدلّ على