نصر حامد أبو زيد
33
الاتجاه العقلي في التفسير
( 5 ) سبقت الإشارة إلى أن الخلاف الذي اعتزل بسببه واصل بن عطاء ( ت 131 ه ) حلقة أستاذه الحسن هو الخلاف حول مرتكب الكبيرة . ولقد رأينا في الصفحات السابقة أن هذا الخلاف يمتد إلى بداية نشأة حركة الخوارج ، وإن أطلقوا عليه « الإمام الجائر » لا « مرتكب الكبيرة » . ولقد كان الخوارج واضحين ومتسقين مع نزوعهم الثوري ، فذهبوا إلى تكفير كل من خالفهم ، وذهبوا إلى ضرورة الخروج على الإمام الجائر ومحاربته بالسيف . ولم يفرّق الخوارج بين امامهم الأول « علي بن أبي طالب » وبين « معاوية بن أبي سفيان » ما داموا قد آمنوا بأن كليهما على باطل ، وإن اختلفت درجة باطل كل منهما . وفي الجانب الآخر كان المرجئة يحكمون على « مرتكب الكبيرة » بالايمان وذلك تأسيسا على تعريفهم للايمان الذي سبقت الإشارة إليه . وقد انشغل الشيعة ، الغالية منهم والإمامية ، بقضية الإمامة دون غيرها من القضايا . أمّا الحسن البصري - الفقيه الورع الزاهد - فقد تحرّج في تكفير من شهد أن لا إله إلّا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، كما أنه من جانب آخر لم يكن يستطيع أن يفصل الايمان عن العمل كما فعلت المرجئة . ولذلك انتهى إلى أن مرتكب الكبيرة منافق ، ليس كافرا وليس مؤمنا . ومما يرتبط بهذا الخلاف ما سبقت الإشارة إليه من أن الحكم على عثمان وعلي وطلحة والزبير كان جزءا من الخلاف بين الفرق والاتجاهات المختلفة . ولقد امتحن الخوارج عبد اللّه بن الزبير وحين خالفهم لم يحاربوا معه . وكذلك امتحن زيد بن علي أصحابه في هذه القضية ، وانفضوا عنه حين رفض الخوض في أبي بكر وعمر . وليس ببعيد عنا امتحان الحجاج للحسن البصري حين سأله عن عثمان وعلي . وإذن فالخلاف حول قضايا مرتكب الكبيرة والحكم على المتنازعين لم يكن مجرد خلاف فقهي وإن بدا كذلك على يد الحسن وتلميذه واصل ، ومرد ذلك إلى طبيعة الضغوط التي تعرّض لها الحسن على يد الحجاج ، وهي ضغوط جعلته في كثير من الأحيان يلجأ للتقيّة والمداراة . لم يقبل واصل بن عطاء رأي الخوارج في الحكم على مرتكب الكبيرة بأنه كافر ، وكذلك لم يقبل رأي المرجئة بأنه مؤمن ، ثم خرج على أستاذه الحسن أخيرا ولم يقتنع بقوله أنه منافق . وخرج بوصف له بأنه فاسق في منزلة بين المنزلتين ، أي بين منزلة المؤمن والكافر . وحكم عليه بأنه يخلد في النار إن مات على غير توبة . وقد يبدو هذا الرأي الذي أثاره واصل في مرتكب الكبيرة مذهبا رابعا يضاف إلى