نصر حامد أبو زيد

32

الاتجاه العقلي في التفسير

وفضلا في دينك ودراية للفقه ، وطلبا له وحرصا عليه . ثم أنكر أمير المؤمنين هذا القول من قولك ، فاكتب إلى أمير المؤمنين بمذهبك ، والذي به تأخذ ، أعن أحد من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ أم عن رأي رأيته ؟ أم عن أمر يعرف تصديقه في القرآن ؟ فإنّا لم نسمع في هذا الكلام مجادلا ولا ناطقا قبلك » 71 وتبدو في لهجة الرسالة نبرة الضيق التي ترى تناقضا بين الصلاح والفضل والفقه وبين القول بالقدر ، مما يؤكّد أن انتماء الحسن إلى صف القائلين بالقدر أقلق الخليفة الأموي ودفعه لهذه التساؤلات حول أصل هذا الرأي ومنشئه في القرآن أو السنة أو آراء السلف الصالح . ولم يكن صعبا على الحسن أن يستشهد بالقرآن على صحة مذهبه ، ففي القرآن آيات كثيرة تحمّل الانسان مسؤولية فعله . ويلجأ الحسن إلى تأويل تلك الآيات الأخرى التي توهم بالجبر ، وهذه مسألة سنتعرّض لها في الفصل الخاص بالتأويل والمجاز . أمّا الذي نريد التركيز عليه الآن فهو لمز الحسن لمعاصريه على قولهم بالجبر « وقد أدركنا ، يا أمير المؤمنين ، السلف الذين عملوا بأمر اللّه ، ورووا حكمته ، واستنوا بسنة رسوله ، صلى اللّه عليه وسلم ، فكانوا لا ينكرون حقا ولا يحقون باطلا ، ولا يلحقون بالرب ، تبارك وتعالى إلّا ما ألحق بنفسه ، ولا يحتجون إلّا بما احتج اللّه به على خلقه في كتابه » 72 ثم ينتهي إلى أنه « لمّا أحدث المحدثون الكلام في دينهم ذكرت من كتاب اللّه خلافا لما قالوا وأحدثوا » 73 والحسن في هذا الرد يتهم معاصريه بأنهم أحدثوا - بالقول الجبر - قولا لم يقل به أحد من السلف الصالح ، وألحقوا بالرب ما لم يلحق بنفسه من نسبة معاصيهم إليه ، فكان عليه أن يتصدّى لهم ، ويكشف عن زيف معتقدهم . وننتهي من ذلك كله إلى أن القول بالقدر وبمسئولية الانسان عن فعله كان سلاحا فكريا وعقائديا ضد تستر الأمويين وراء مبدأ الجبر لتبرير أعمالهم . وقد رفع لواء هذا المبدأ مفكرون دفعوا حياتهم ثمنا له ، وتحرّج متأخرو الصحابة والتابعون من القول به لما يوهمه من انتقاص للقدرة الإلهية . وظلّ الأمر كذلك حتى عدل الحسن البصري من صياغة هذا المبدأ بما يجعله يتلاءم مع الايمان المطلق بقدرة اللّه ومشيئته اللانهائية . وكان الذي دفع الحسن إلى ذلك هو انكشاف البعد السياسي لمقولة « الجبر » في عهد عبد الملك ابن مروان . ويعدّ ما فعله الحسن بذلك بمثابة اعطاء شرعية دينية وفقهية لمبدأ يثير الشك في وجدان المسلم العادي وذلك عن طريق الاستشهاد بآيات القرآن التي تتمشى مع المبدأ ، وفي نفس الوقت تأويل تلك الآيات التي يوهم نصها الحرفي مناقضة هذا المبدأ .