نصر حامد أبو زيد

26

الاتجاه العقلي في التفسير

السيرة الخاصة ليزيد ، والتي لم تكن مقبولة من أي مسلم تقي ، أدركنا أن خروج الشيعة كان ضرورة حتمية للدفاع عن مصالحهم من جهة ، ولإقامة حكم الاسلام من جهة أخرى . وبعد فشل ثورة الحسين وارتكاب الأمويين لمذبحة كربلاء ، ثار عبد اللّه بن الزبير باعتباره ممثلا للقوى التي سبق أن ناهضت علي بن أبي طالب في موقعة الجمل . ومع ثورة عبد اللّه بن الزبير حاول أن يستعين بالخوارج ، ولكنهم حاولوا امتحانه عن طريق سؤاله عن رأيه في عثمان ، وحين وجدوه مخالفا لهم حيث قال : « أشهدكم ومن حضرني أني ولي لابن عفان وعدو لأعدائه » 51 لم يساعدوه ، وكان ذلك في عصر عبد الملك بن مروان . وعلى الجانب الثاني حاول عبد اللّه بن الزبير أن يستعين بمحمد بن الحنفية على حرب الأمويين ، ولكنه رفض . 52 ولعل في هذه الواقعة دلالة على بداية الإحساس بضرورة التجمّع والتوحّد في وجه العدو المشترك . ومن ناحية أخرى يؤكّد ذلك أن الخلاف حول الحكم على المتحاربين في الفتنة ظلّ هو جذر الخلاف بين الفرق المختلفة ، وهو خلاف لسنا بحاجة إلى تأكيد نشأته على يد الخوارج بعد التحكيم . الذي نريد التأكيد عليه هنا هو أن الشيعة رفعوا فكرة الدولة الدينية والإمام المقدّس في مواجهة الدولة الدنيوية التي أسسها الأمويون ، وكان للضربات المتلاحقة التي وجهها الأمويون ضدهم ، تلك الضربات التي بلغت قمتها المأساوية في التمثيل بسبط الرسول بكربلاء ، أثرها في تأكيد فكرة المهدي المنتظر الذي ألحّ الشيعة على قداسته « وهكذا غلب الجانب الديني في التشيع على الجانب السياسي وتقدّم عليه ، ووجد الشيعة في أقدم دولة ناوءوها وهي دولة الأمويين ، الفرصة الأولى في أن يتجهوا في حركتهم اتجاها دينيا ، وكان مسلك الأمويين دائما - إذا تركنا جانبا مسألة الحق الشرعي في الخلافة - عنوانا للمخازي والفضائح في نظر الأتقياء ، لأنهم كانوا يضعون نصب أعينهم المصلحة الدنيوية للحكومة الاسلامية ويجعلونها في المحل الأول ، بينما رأى الأتقياء تغليب المصلحة الدينية » 53 وإذا كان الشيعة قد انقسموا إلى ثلاث فرق رئيسية تندرج تحت كل منها فروع كثيرة ، فإن الفرق الثلاث وهي الغالية والإمامية والزيدية تتفق في امامة علي وأحقيته للخلافة . ويعتبر عبد اللّه بن سبأ مؤسس « الغالية » لأنه غالى في علي حتى جعله إلها ، أما مؤسس الامامية فهو المختار بن عبيد « الذي خرج وطالب بدم الحسين بن علي ودعا إلى محمد بن الحنفية » 54 عام 66 ه في عهد عبد الملك بن مروان . وكان محمد بن الحنفية بعد مقتل أخيه الحسين « قد اختار العزلة ، فآثر الخمول على الشهرة » 55 ودون أن نتعرض لتفاصيل أفكار المختار أو « الكيسانية »