نصر حامد أبو زيد

27

الاتجاه العقلي في التفسير

كما يسميها كتّاب الفرق ، فإن فكرة الإمامة هي الفكرة الأساسية التي قامت عليها دعوة المختار . وواضح أن دعوة المختار كانت أول انشقاق في صفوف الشيعة وذلك عن طريق الدعوة لمحمد بن الحنفية ، وكانت الإمامة قبل ذلك مقصورة على أولاد علي من فاطمة وهما الحسن والحسين وأعقابهما . وعلى يد المختار نمت فكرة عصمة الإمام وانفراده بعلم تأويل الشريعة ، واختفائه ورجعته . والفارق بين السبئية والكيسانية يكمن في أن السبئية يعتبرون إمامهم شخصا مقدسا بطبيعته ، أما الكيسانية فيعتبرونه رجلا رفيع المقام محيطا بعلوم ما وراء الطبيعة . وبصرف النظر عما تحكيه كتب المقالات من استنكار ابن الحنفية لمثل هذه الافكار ، فإن الذي يهمنا هو بيان تطور فكرة الإمامة لتلائم طبيعة الظروف المتغيرة في الدولة الاسلامية . والذي لا شك فيه أن المختار نجح في إثارة القلق في أرجاء الدولة الأموية . ولو استطاع مع ابن الزبير أن يكوّنا جبهة واحدة مع الخوارج ، لكان للتاريخ قول آخر ، ولكن اختلاف مصالح القوى كان كفيلا بأن يفرّق بينها . أمّا الفرقة الثالثة من فرق الشيعة فهي الزيدية وهم ينتسبون إلى زيد بن علي زين العابدين « وكان زيد بن علي بويع له بالكوفة في أيام هشام بن عبد الملك وكان أمير الكوفة يوسف بن عمر الثقفي ، وكان زيد بن علي يفضّل علي بن أبي طالب على سائر أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ويتولى أبا بكر وعمر ، ويرى الخروج على أئمة الجور ، فلمّا ظهر في الكوفة في أصحابه الذين بايعوه سمع من بعضهم الطعن على أبي بكر وعمر ، فأنكر ذلك على من سمعه منه ، فتفرّق عنه الذين بايعوه » 56 وسنتعرض بعد قليل لفكر الشيعة الزيدية ومدى اتفاقه مع فكر المعتزلة في كثير من المبادئ والتفاصيل باستثناء فكرة النص على إمامة علي . والذي يهمنا الآن أن نلمح الطابع الواقعي لفكر الشيعة الزيدية ، وهو طابع تخفف كثيرا من غلواء السبئية والكيسانية ، وكذلك من غلواء الخوارج في تكفير عثمان وعلي بعد أن قبل التحكيم . وفي خلاف زيد بن علي مع أصحابه في تكفير أبي بكر وعمر ما يؤكّد لنا مرة ثانية أن الخلاف حول الحكم على الأئمة والخلفاء ظلّ خلافا أساسيا يفرّق بين الاتجاهات المختلفة حتى داخل حزب واحد كالشيعة . ( 4 ) يعدّ عصر عبد الملك بن مروان ( 65 - 86 ه ) عصر العواصف التي ملأت كل مدة خلافته تقريبا 57 فهو الذي قتل عمرو بن سعيد - كما سبقت الإشارة - وألقى بجثته إلى اتباعه زاعما أنه قتله بقضاء اللّه السابق . وهو الذي قتل معبدا الجهني ( 80 ه ) أول من قال بالقدر . وهو الذي فرض ضرائب جديدة على