نصر حامد أبو زيد

235

الاتجاه العقلي في التفسير

كون جميعه حسنا . وذلك يمنع من كون أفعال العباد فعلا له . وليس لأحد أن يقول : إن الغرض بذلك نفي التناقض عن خلقه ، وأنه ليس فيه متضاد ، وذلك ، لأن هذا علم استحالة وجوده من فعل أي فاعل كان لأمر يرجع إلى نفسه ، فمعنى التمدح فيه لا يصح . وإنما قال سبحانه ذلك عقيب ذكره ما خلقه من الموت والحياة والتكليف ، وأنه الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ثم نبه على عظيم نعمه بذلك ، من حيث أنه خلقه على وجه يتسق في الحكمة ، وإلّا خرج جميعه من أن يكون نعمة ، لأنه لو كان في أفعاله شيء قبيح لفسد التدبير ، ولم يثق المكلف بوعد ولا وعيد ، وذلك يخرج كل أفعاله من أن تكون نعمة » 301 . وهكذا يحدد المعتزلة معنى التفاوت بأنه التناقض أو الاضطراب 302 ، ثم ينكرون أن يكون نفي التفاوت واقعا على أفعال اللّه ، لأنه تمدّح نفسه بذلك ، فوصف نفسه بالرحمة وبالجبروت وهما صفتان متناقضتان ظاهريا ، وإن كانتا غير متناقضتين في باب الحكمة . وهم من ناحية أخرى ينكرون أن يقع نفي التفاوت على مخلوقات اللّه ، لأن فيها الصغير والكبير والطويل والقصير . . الخ . وعلى ذلك لا يبقى لهم إلّا أن نفي التفاوت عن خلق اللّه واقع في باب الحكمة . ومعنى ذلك أن كل أفعال اللّه تجري على نسق من الحكمة لا تفاوت فيها ، وليست كذلك أفعال الانسان ، وعلى ذلك فإن أفعال الانسان لا يمكن أن تكون مخلوقة للّه . 303 . غير أن الأشاعرة لا يسلّمون للمعتزلة بهذا التفسير ، على أساس أن قوله تعالى في آخر الآية هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ يدل أن المقصود بالآية نفي التفاوت عن المخلوقات ، لأنه تعالى قال ذلك بعد قوله هو الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ولم يذكر اللّه تعالى الكفر ولا أفعال العباد في هذه الآية فيكون للقدرية في ذلك حجة 304 وفي الرد على هذا الاعتراض يستند المعتزلة إلى مبدأ من مبادئ أصول الفقه في التعميم والتخصيص . ومن رأي المعتزلة « أن تخصيص آخر الآية لا يقدح في عموم أولها ، ألا ترى أن قوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ( البقرة / 228 ) عام في المطلقات ، البوائن منها والرجعيات ، ثم تخصيص قوله وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ لا يقدح في عموم الأول . كذلك في مسألتنا » 305 وهو مبدأ غريب لا يصح في تفسير سياق هذه الآية ، وإن صحّ في أحكام الفقه . والخلط في التفسير بين آيات الأحكام وآيات الصفات يتناقض مع ما سبق أن قاله القاضي نفسه عند اخراج آيات الأحكام من المحكم والمتشابه . وبالإضافة إلى ذلك كله فإن الآية - كما قال الأشعري - لا تشير من قريب أو من بعيد إلى خلق الأفعال . وهي واردة في بيان الحكمة الإلهية في خلق السماوات ، وعلى ذلك يعدّ