نصر حامد أبو زيد

236

الاتجاه العقلي في التفسير

استدلال المعتزلة بهذه الآية استدلالا بدليل الخطاب لا بمنطوقه المباشر . وهذا أمر ينكره المعتزلة على خصومهم في مواضع كثيرة ، بل وفي هذه الآية نفسها . ويبدو هذا التناقض واضحا في موقف القاضي حين يورد على نفسه اعتراضا فحواه « لو أمكن الاستدلال بهذه الآية على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقا لأفعال العباد لأن فيها التفاوت ، وقد نفى التفاوت عن خلقه ، أمكن أيضا أن يستدل بها على أن طاعات العباد كلها من جهة اللّه تعالى فلا تفاوت فيها » 306 ينكر القاضي على خصومه هذا الاستدلال لأنه - في رأيه - « استدلال بدليل الخطاب ، وذلك مما لا يعتبر في فروع الفقه ، فكيف يعتبر في أصول الدين ؟ يبين ذلك أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على أن ما عداه خلافه ، ألا ترى أن قائلا لو قال : فلان لا يظلم ولا يكذب ، فإنما يقتضي هذا الكلام أنه لا يختار ما هو الظلم والكذب ، وليس فيه أن ما هو خارج من هذين النوعين فإنه هو الفاعل له ، كذلك في مسألتنا ، ليس يجب إذا نفى اللّه تعالى التفاوت عن خلقه أن يضاف إليه كل ما لا تفاوت فيه ، بل الواجب أن ينفى عنه جميع ما يتفاوت ، ويكون ما لا تفاوت فيه موقوفا على الدلالة ، فإن دلّ على أنه هو الفاعل له قيل به ، وإن لم يدل ، بل دلّ على خلافه لم يقل به . وفي مسألتنا قامت الدلالة على أن هذه التصرفات من الطاعات وغيرها متعلقة بنا لوقوعها بحسب قصدنا وداعينا ، فيجب أن تكون فعلا لنا واقعا من جهتنا على ما قلناه » 307 . غير أن هذا التناقض في موقف القاضي يمكن أن يفسّر في ضوء ما أشرنا إليه من أن القرآن تحوّل إلى وسيلة للاستدلال سواء بمنطوق الآيات المباشر ، أو بمدلولها غير المباشر ، وذلك عن طريق التأويل الذي يستند - أولا - إلى الدليل العقلي . * * * والدليل الثاني الذي يستدل به المعتزلة هو قوله تعالى الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( السجدة / 7 ) ويختلف المعتزلة مع الأشاعرة في توجيه الفعل « أحسن » ، ذلك أنه قد يكون مشتقا من الاحسان ، أو من الحسن ، بمعنى أنه قد يكون مشتقا من الفعل « أحسن » أو من الفعل « حسن » . ويذهب المعتزلة إلى أنه مشتق من « الحسن » لا من « الاحسان » وذلك « لأن في أفعاله تعالى ما لا يكون احسانا كالعقاب » 308 وعلى العكس من ذلك يذهب الأشاعرة ، فالمعنى عندهم « أنه يحسن أن يخلق كما يقال فلان يحسن الصياغة أي يعلم كيف يصوغ فأخبر اللّه تعالى أنه يعلم كيف يخلق الأشياء » 309 ومعنى ذلك أن الأشاعرة يذهبون بالآية إلى معنى الخبر دون المدح الذي يؤكّده السياق ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ