نصر حامد أبو زيد
234
الاتجاه العقلي في التفسير
والعمل هو الفعل ، والفعل هو الخلق . فالجواب أنه تعالى أراد هنا بالعمل الكسب . والعبد مكتسب على ما بيّنا . يدل على ذلك أنه قال في موضع آخر جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( التوبة / 82 ) ونحن لا نمنع أن يكون سمّى الكسب عملا ، إنما نمنع أن يكون العبد خالقا مخترعا مخرجا له من العدم إلى الوجود . وقد بيّنا أن الخلق والاختراع والخروج من العدم إلى الوجود لا يقدر عليه إلّا اللّه تعالى فلم يكن لهم في الآية حجة » 300 ولا ينكر الأشاعرة - بالطبع - أن الانسان مجازى محاسب ، ولكنهم يجعلون الجزاء عقابا على الكسب والإرادة دون ايجاد الفعل وخلقه . وثم آيات يمكن أن يستدل بها الأشاعرة على أن الانسان لم يوجد ضلاله ولم يخلق كفره ، بل اللّه خلقه فيه ، كما خلق فيه الايمان والهدى . وقد سبق أن تعرّضنا بالتفصيل لكثير من هذه الآيات وكشفنا عن تأويل المعتزلة لها في ثنايا القسم السابق من هذا الفصل ، الأمر الذي يجعلنا نتجاوزها هنا حتى لا نقع في التكرار والإطالة . غير أن المعتزلة لا يمنعون نسبة ايمان العبد إلى اللّه على أساس فكرة اللطف التي سبقت الإشارة إليها . ولا يتناقض ذلك على أي حال مع اصرارهم على نسبة أفعال العبد إليه ، ما داموا قد نفوا عن اللّه إرادة الكفر والقبائح كلها أو خلقه إياها في العبد وهذا هو الهدف النهائي من قضية العدل كلها . * * * ويطيل المعتزلة في شرح وتوضيح أدلة النفي التي تنفي عن اللّه خلق أفعال البشر ، وذلك لأنها أدلة ينازعهم فيها خصومهم ولا يسلمون لهم بها . وأول هذه الأدلة قوله تعالى في سورة الملك / 3 ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ، ذلك أن نفي التفاوت عن خلق اللّه ، يعني - بدليل الخطاب - أن ما هو متفاوت ليس من خلقه . وأفعال العباد تتفاوت بين الحسن والقبيح ، ولهذا لا يصح اسنادها إلى اللّه إذا كان قد نفى التفاوت عن خلقه . ويتركّز الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة في تأويل هذه الآية حول نوع الفعل الإلهي المقصود نفي التفاوت عنه . ويذهب المعتزلة إلى أن المقصود بها نفي التفاوت في باب الحكمة ، دون أن يكون المقصود بها نفي التفاوت في المخلوقات أو في صفاته عز وجل « إنما أراد بذلك في باب الحكمة ، لأنه لو أراد في صفاته ، لكان قد نفى ما ثبوته معلوم باضطرار لأنه تعالى يمدح بذلك ، ولا يليق التمدح بنفي التفاوت عنها في سائر أوصافها ، وإن كان ظاهر التفاوت يقتضي التناقض في الحكمة . ولذلك لا يقولون : إن خلق زيد متفاوت إلّا على هذا الوجه ، ولا يقولون ذلك من حين يتغير خلقه على وجه يحمد . فيجب أن ينفي أن يكون في فعله التفاوت في الحكمة من قبيح وحسن ، بل يجب