نصر حامد أبو زيد
233
الاتجاه العقلي في التفسير
مفعول « من خلق » « الأشياء وحاله أنه اللطيف الخبير المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه . ويجوز أن يكون من خلق منصوبا بمعنى ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله » 293 ويمنع الزمخشري أهل السنة من الاستدلال بهذه الآية على ما ذهبوا إليه من أن الخلق لا يصح إلّا مع العلم . ويستند في ذلك إلى أن تركيب الآية ، ووصف اللّه - في آخرها - بأنه لطيف خبير يمنع من هذا الاستدلال « لأنك لو قلت ألا يكون عالما من هو خالق وهو اللطيف الخبير لم يكن المعنى صحيحا لأن ألا يعلم معتمد على الحال والشيء لا يوقت بنفسه ، فلا يقال ألا يعلم وهو عالم ولكن يقال ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء » 294 . ( 4 ) يلجأ المعتزلة بعد ذلك كله إلى ايراد أدلتهم التي تثبت مسؤولية الانسان عن فعله . وهي تنقسم في القرآن إلى قسمين : أدلّة اثبات ، وأدلّة نفي . أمّا أدلّة الاثبات فهي كل تلك الآيات التي تثبت تعلق فعل الانسان به وهي أنواع ثلاثة : النوع الأول منها يشمل كل الآيات التي يضاف فيها الفعل إلى العبد بصيغة الفاعل إضافة واضحة « ويدل على ذلك من كتاب اللّه ، سبحانه ، كل إضافة للفعل إلى العبد بلفظ الفاعل نحول قوله هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( البقرة / 2 ) وسائر ما وصف به ، مما يوجب إضافة الفعل إليه » 295 . أمّا النوع الثاني من أدلّة الأثبات فيشمل كل الآيات التي تعلق الجزاء بأفعالهم نحو قوله تعالى : جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ 296 « فلو لا أنّا نعمل ونصنع ، وإلّا كان هذا الكلام كذبا ، وكان الجزاء على ما يخلقه فينا قبيحا » 297 ويشمل النوع الثالث كل « ما في كتاب اللّه من الذم والتوبيخ نحو قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ، وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ( البقرة / 28 ) ، وقوله : فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( الانشقاق / 20 ) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا ( الاسراء / 49 ) 298 ومن جملة ذلك قوله تعالى وتقدس : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ( التغابن / 2 ) أورد الآية على وجه التوبيخ ، وذلك لا يحسن إلّا بعد احتياج الكفر والايمان إلينا وتعلقهما بنا ، وإلّا كان ذلك بمنزلة أن يوبخ أحدنا على طول قامته وقصرها ، فيقال قد أنعمنا عليك وصنعنا بك وفعلنا ، فقصرت قامتك أو طالت » 299 . ويصعب على الأشاعرة رد هذه الأدلّة ، وإن كانوا يحاولون ردها إلى مقولة « الكسب » الأشعرية ، تلك المقولة التي تجعل وجه تعلق الفعل بالانسان هو الكسب دون الخلق والايجاد . يساوي الباقلاني بين الفعل والكسب حين يردّ على المعتزلة « فإن احتجّوا بقوله تعالى : جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ قالوا : فأثبت لنا العمل ،