نصر حامد أبو زيد
232
الاتجاه العقلي في التفسير
وهكذا ينتهي المعتزلة إلى نفي صفة الشرك التي حاول الأشاعرة الصاقها بهم ، كما ينتهون إلى تأكيد أن الانسان هو خالق أفعاله حسب قصده وارادته الحرة . والفارق بين ما يخلقه اللّه وبين ما يخلقه الانسان هو الفارق بين قدرة اللّه اللامتناهية وقدرة الانسان المحدودة ، تلك القدرة التي لا تتعلق إلّا بتصرفاته دون غيرها من الأجسام والأعراض التي لا يقدر عليها إلّا اللّه جل وعز . وآخر ما يستدل به الأشاعرة قولهم إن من شروط من يقدر على الخلق أن يكون عالما بما يخلقه . ولمّا كان علم اللّه يشمل كل ما يمكن أن يعلم ، فمن الطبيعي أن يشتمل خلقه على كل ما يمكن أن يخلق « لأن الخالق الصانع أقل ما يوصف به علمه بخلقه كما قال : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ( الملك / 14 ) 288 « يوضح ابن المنير السني هذا الدليل قائلا « إن أهل السنة يستدلون على أن العبد لا يخلق أفعاله بأنه لا يعلمها وهو استدلال بنفي اللازم الذي هو العلم على نفي الملزوم الذي هو الخلق . وبهذه الملازمة دلّت الآية فإن اللّه تعالى أرشد إلى الاستدلال على ثبوت العلم له عز وجل بثبوت الخلق وهو استدلال بوجود الملزوم على وجود اللازم » 289 . ويتركّز الخلاف حول تأويل الآية بين المعتزلة وخصومهم في تحديد مفعول الفعل « خلق » . يذهب الأشاعرة إلى أن المفعول ضمير يعود إلى القول وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ أو إلى ضميره المحذوف في « يعلم » وعلى ذلك يكون « من فاعلا مرادا به الخالق ومفعول العلم محذوف تقديره ذلك إشارة إلى السر والجهر ، ومفعول خلق محذوف ضميره عائد إلى ذلك . والتقدير في الجميع ألّا يعلم السر والجهر من خلقهما » 290 . ويتركز تأويل القاضي عبد الجبار على أن « من » مفعول للفعل « يعلم » وليس فاعلا . كما يذهب إلى أن المفعول المحذوف في « خلق » ليس القول ، بل أمر العباد عموما « واعلم أن المراد بذلك ألّا يعلم من خلق أمر العباد الذين يسرون بالقول ويجهرون ، منبها بذلك على أنه لا تخفى عليه أحوالهم كتموها أو جهروا بها ، ولو كان المراد به ما قالوه ، لقال ألا يعلم ما خلق لأن القول لا يعبر عنه بمن لأن ذلك عبارة عن العقلاء » 291 ولا تستقيم الآية - من حيث المعنى - على تأويل الأشاعرة « يبين ذلك أن هذا الكلام إذا لم يحمل على ما قلناه يجري مجرى أن يقول : وأسروا قولكم أو اجهروا به فاني عليم بما أنا فاعله . وهذا لا يستقيم » 292 . ومن المؤكد أن الآية في سياقها لا تساعد الأشاعرة على ما ذهبوا إليه ، فقد وردت مورد الذم والتوبيخ لأولئك الذين يظنون أن اللّه غير مطّلع على خبايا صدورهم . ويدرك الزمخشري معنى الآية ويربط أولها بآخرها ربطا محكما ، فيكون