نصر حامد أبو زيد
231
الاتجاه العقلي في التفسير
عبادته ، كما أنه الخالق لهم ، وأنه أولى بالعبادة من الأمرين ، وأنه لا معنى في عبادة الصنم إلّا ومثله قائم في عبادة الانسان » 282 أي أن التقريع في الآية لا ينصبّ على الفعل الانساني ، وإنما ينصبّ على الأصنام التي يقوم الانسان بصنعها ثم يعبدها . ومعنى ذلك أن « ما تعملون » ليس المقصود بها العمل ، وإنما المقصود بها المعمول فيه . وعلى ذلك يكون تأويل الآية « ما تعملون فيه على نحو قول أهل اللغة : فلان يعمل الأثواب والحصر ، وفلان يعمل الطين ، وإنما أراد الأصنام التي عملوا فيها النحت » 283 ومعنى ذلك أن في الكلام محذوفا تقديره « فيه » . ويكون معنى الآية أن اللّه خلق الانسان وما يعمل فيه من المواد كالخشب والحجارة وغيرها . أمّا عمله نفسه في هذه المواد ، فهو من خلقه ، ولا يدخل تحت منطوق الآية . وهكذا يصبح تقدير المحذوف - والحذف مجاز - وسيلة للتأويل ، والعدول عن الظاهر . ولا يسلم هذا التأويل تماما للمعتزلة ، إذ يذهب أبو الحسن الأشعري إلى التفرقة بين « ما تنحتون » و « ما تعملون » ويرى أن « ما تنحتون هي التي ترجع إلى الأصنام دون « ما تعملون » وذلك لأن الأصنام منحوتة لهم في الحقيقة ، وليست معمولة لهم « فرجع اللّه تعالى بقوله تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ إليها . وليست الخشب معمولة لهم في الحقيقة فيرجع بقوله خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ إليها » 284 . ويردّ الزمخشري على هذه التفرقة على أساس أن « ما » في « ما تنحتون » موصولة وليست مصدرية . ويرى أن ما يعطف عليها ينبغي أن يكون كذلك حتى لا يختل النظم القرآني ، بمعنى أن « ما » في « ما تعملون » ينبغي كذلك أن تكون موصولة حتى يستقيم العطف ، وذلك أن « ما تعملون ترجمة عن قوله ما تنحتون وما في تنحتون موصولة لا مقال فيها فلا يعدل بها عن أختها إلّا متعسف متعصب لمذهبه من غير نظر في علم البيان ولا تبصر لنظم القرآن » 285 . أمّا الدليل الثالث الذي يستند إليه الأشاعرة فهو قوله تعالى هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ( فاطر / 3 ) ويسهل على المعتزلة تأويل هذه الآية بالرجوع إلى فكرة السياق « فليس فيه ما ظنوه لأن فائدة الكلام معقودة بآخره ، وقد قال تعالى : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ ونحن لا نثبت خالقا غير اللّه يرزق » 286 . وبنفس الطريقة لا يجدون صعوبة في تأويل قوله تعالى أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ وذلك على أساس « أن المراد أن خلق أحدنا لا يشبه خلق اللّه تعالى ، فإن خلقه جل وعز يشتمل على الأجسام والأعراض ، وليس كذلك خلقنا فإنّا لا نقدر إلّا على هذه التصرفات التي هي القيام والقعود وما جرى مجراهما » 287 .