نصر حامد أبو زيد
230
الاتجاه العقلي في التفسير
والمعتزلة - من جانب آخر - يستثنون أفعال العباد من عموم الآية ، ويدخلون فيها القرآن « ولولا قيام الأدلة على اخراج أفعال العباد منه لوجب دخوله في العموم ، ولا دلالة توجب اخراج القرآن منه ، فيجب دخوله فيه » 278 وفي مسلك كلا الفريقين إزاء هذه الآية ما يكشف لنا كيف تحوّل القرآن - عند المتكلمين - إلى وسيلة استدلالية للجدل والنزاع . وما دام الفريقان قد تنازعا الآية ، فمن حق كل منهم أن يتأوّلها وفقا لرأيه . ويتم اخراج الآية عن عمومها وظاهرها - عند المعتزلة - على أساس أنها « وردت مورد التمدح ، ولا مدح بأن يكون اللّه تعالى خالقا لأفعال العباد وفيها الكفر والالحاد والظلم ، فلا يحسن التعلق بظاهره . فإذا عدلتم عن الظاهر فأخذتم بالتأويل ، فلستم بالتأويل أولى منا ، فنتأوّله على وجه يوافق الدليل العقلي ، فنقول إن المراد به اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ أي معظم الأشياء ، والكل يذكر ويراد ما ذكرنا ، قال اللّه تعالى في قصة بلقيس وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مع أنها لم تؤت كثيرا من الأشياء » 279 . ويستخدم أبو هاشم الجبائي ، عند تأويله للآية ، لفظ « المبالغة » وهو نفس اللفظ الذي وضع الرماني الآية تحته في رسالته « النكت في اعجاز القرآن » كما أسلفنا الإشارة . يقول : « إن التعارف في استعمال هذه اللفظة قد جرى بمعنى التكثير والمبالغة كقوله تعالى : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ( النمل / 23 ) وقوله تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ( الأحقاف / 45 ) يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ( القصص / 57 ) ، ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ( الأنعام / 38 ) . . . وكقول الرجل أكلنا كل شيء ، وعندنا كل خير ، وعلى هذا خاطب عز وجل العرب » 280 واستخدام مصطلح « المبالغة » - بالمعنى الذي أشار إليه الرماني - له دلالته في الارتباط الوثيق بين المجاز والتأويل ، واستخدام المجاز أداة للتأويل واخراج النص عن ظاهره ليلائم الدليل العقلي . غير أن هذا التأويل يستند إلى شواهد كثيرة من القرآن وكلام العرب . والدليل الثاني الذي يستدل به الأشاعرة هو قوله تعالى وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( الصافات / 96 ) « فأخبر تعالى أنه خالق لأعمالنا على العموم كما أخبر أنه خالق لصورنا وذواتنا على العموم وهذا من أوضح أدلّة الكتاب » 281 . ويستند المعتزلة في تأويلهم لهذه الآية إلى فكرة السياق من ناحية ، وإلى تقدير محذوف في الكلام من ناحية أخرى . أمّا فكرة السياق فلأن اللّه « إنما ذكر ذلك ليقرع عباد الأصنام ويوبخهم ، ومعلوم أن التوبيخ والتقريع لا تعلق له بعملهم ، وله تعلق بما عملوا فيه من الأصنام ، فأراد تعالى أن يبين أنه الخالق لما يحاولون