نصر حامد أبو زيد

224

الاتجاه العقلي في التفسير

النهي عنها ، وبالتالي حاولوا تأويل كل الآيات التي تسند للّه الحب على أن الحب هو الإرادة . ولم يكتف المعتزلة بذلك في مجال تأويل آيات القرآن ، بل نقلوا هذه التسوية بين الحب والإرادة إلى مجال التعبير البشري ، واعتبروا أن العبارة « أحب زيدا » عبارة مجازية معناها « أريد منافع زيد » « لكنهم استجازوا حذف ذكر المحبوب من الكلام بالتعارف ، ولم يستجيزوا مثله في الإرادة ، وإلّا فالمحبة إنما تعلّقت بمنافعه دونه كالإرادة . ولذلك يستحيل كونه محبا له من غير أن يريد منافعه » 262 ومعنى ذلك أن التعبير عن الإرادة بالحب تعبير مجازي حذف منه ذكر المحبوب . ويختلف أبو هاشم الجبائي مع والده أبي علي في عبارات مثل « أحب اللحم » و « أحب جاريتي » فيذهب أبو هاشم إلى أنه « قد يقال ذلك بمعنى الشهوة مجازا » ويقول أبو علي « أنه حقيقة والمراد به أنه يريد أكل اللحم ، والاستمتاع بالجارية » 263 وكلا القولين ينتهي إلى نفس النتيجة بصرف النظر عن الخلاف حول مجازية العبارات أو حقيقتها ، ولذلك ينتهي القاضي من استعراض هذين القولين إلى تأكيد ما ذهب إليه من التسوية بين الإرادة والمحبة على المستوى الإلهي والبشري معا . كانت هذه التسوية عند المعتزلة - إذن - هي التي دفعت الباقلاني لتلك الأمثلة البشرية التي يفرّق فيها بين المحبة والإرادة ، رغبة منه في هدم الأساس الذي يتكئ عليه المعتزلة في الاستشهاد بالآية . * * * وإذا كانت الآية السابقة قد احتاجت لهذا الجهد اللغوي حتى تستقيم دليلا للمعتزلة فثمّ آية أخرى واضحة الدلالة لورود لفظ الإرادة فيها بدلا من لفظ الحب ، تلك هي قوله تعالى وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ ( غافر / 21 ) ومن السهل على الأشاعرة رد هذا الدليل على أساس أن الظلم إنما يقع منا لأننا نتصرف فيما لا نملك ، أمّا اللّه المالك القاهر الذي ليس فوقه آمر أو ناه فله مطلق الحرية في أن يريد ما يشاء ويفعل ما يريد . ومن جهة أخرى ففكرة الكسب الأشعرية تنفي أن يكون اللّه ظالما بظلم الظالم وإن كان هو الذي خلقه ، كما أنه لا يمكن أن يكون متحركا بحركة المتحرك وإن كان هو الذي خلقها فيه . ويذهب الباقلاني إلى « أن اللّه تعالى خلق الظلم ظلما للظالم به ، وخلق الجور جورا للجائر به ، وخلق الكذب كذبا للكاذب به كما أنه خلق الظلمة ظلمة للمظلم بها ، وخلق الضوء ضوءا للمستضيء به ، وخلق الحمرة حمرة للأحمر بها ، وخلق السواد سوادا للأسود به ، وخلق السم سمّا للمسموم به : فكما أن اللّه تعالى خلق الظلمة لليل ، والضياء للنهار ، والحمرة للأحمر ، والسواد للأسود والسم للحية ولا يوجب ذلك كونه ظلمة