نصر حامد أبو زيد
225
الاتجاه العقلي في التفسير
ولا ضياء ولا سوادا ولا حمرة ولا سما ، فكذلك خلق الطاعة طاعة للطائع بها ، والكذب كذبا للكاذب به ، والجور جورا للجائر به ولا يوجب ذلك كونه جائرا ولا ظالما ولا كاذبا » 264 ولقد سبقت الإشارة إلى رفض المعتزلة لهذه الفكرة بناء على ما ذهبوا إليه من أن القبيح والحسن صفتان ذاتيتان للفعل . وبنفس الطريقة يستطيع الأشاعرة رد استدلال المعتزلة بقوله تعالى وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أو وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً دون أدنى حساسية من إلزامات المعتزلة لهم أو هجومهم عليهم . ولكي يؤكد الأشاعرة ما يذهبون إليه من إرادة اللّه المطلقة ، تلك الإرادة التي تشمل عندهم كفر الكافر وايمان المؤمن ، وطاعة المطيع ، وعصيان العاصي ، يذهبون إلى الاستدلال بآيات كثيرة من القرآن . وهي آيات تدل بظاهرها على ما يذهبون اليه . ويكون مسلك المعتزلة إزاء هذه الآيات هو التأويل تماما كما فعل الأشاعرة مع الآيات التي استدل بها المعتزلة على وجهة نظرهم . والآيات التي يستدل بها الأشاعرة تشتمل على كل النصوص التي تربط مشيئة العباد بمشيئة اللّه المطلقة وذلك كقوله تعالى وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ فأخبر أنّا لا نشاء إلّا ما شاء اللّه أن نشاءه . وقال تعالى وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً . وقال تعالى وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وقال وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ وقال وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ فأخبر أنه لو لم يرد القتال لم يكن وأن ما أراد من ذلك قد فعله » 265 . ويؤول المعتزلة هذه الآيات كلها استنادا إلى ما سبق أن أشرنا إليه من تفرقتهم بين إرادة اللّه لفعل نفسه ، وبين ارادته لفعل غيره ، والتفرقة في هذا الوجه الأخير بين ما يريده على سبيل القسر والالجاء ، وما يريده على سبيل الطوع والاختيار . ويكون معنى المشيئة في هذه الآيات كلها مشيئة الالجاء والاضطرار « فإن قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى في ظاهره ما يبيّن ما قلناه ، لأنه نسب اجتماعهم إليه تعالى ، فلا بدّ من أن يكون ما اجتمعوا عليه - أو ما أوجبه - من قبله ولا يكون إلّا بالالجاء » 266 . ويستعين المعتزلة على تأكيد تأويل المشيئة بالالجاء بفكرة السياق التي تسعفهم عليها بعض الآيات « وأمّا قوله وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ففي آخره ما يدل على ما قلناه ، وهو قوله أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فلو لا أن المراد بالكلام طريقة الاكراه لم يكن لهذا الكلام معنى » 267 .