نصر حامد أبو زيد
22
الاتجاه العقلي في التفسير
مرجئة وإن كان الخلاف بينهما قد كان في حقل الإرجاء ، وعلى من يستفيد من هذا الإرجاء . . . الحكام الأمويون ؟ أم الجماهير التي أسلمت من موالي فارس وخراسان ؟ » 38 وإذا كان هذا الافتراض - على وجاهته - قد فسّر إرجاء جهم ، فإنه لم يفسّر جبريته ، ومن ثمّ يحتاج ذلك إلى افتراض آخر ذي شقين : الشق الأول يكمن في الروح العدائية التي قوبل بها القول بالقدر عند معبد الجهني والجعد بن درهم وغيلان الدمشقي من جانب الخلفاء الأمويين وأتقياء المسلمين معا ، أمّا الشق الثاني فيكمن في ذلك التعارض القائم بين القول بالقدر والتوحيد المطلق . وإذا استعرضنا أقوال جهم في الجبر والتوحيد فسنلحظ على الفور أنه أوقع نفسه في التناقض الذي لا يمكن حلّه إلّا عن طريق القول بالجبر . والتوحيد - عند جهم - هو نفي مشابهة اللّه للأشياء « لا أقول أن اللّه سبحانه شيء لأن ذلك تشبيه له بالأشياء » 39 « وامتنع عن وصف اللّه تعالى بأنه شيء أو حي أو عالم أو مريد ، وقال : لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره كشيء ، وموجود ، وحي ، وعالم ، ومريد ، ونحو ذلك . ووصفه بأنه قادر ، وموجد ، وفاعل ، وخالق ، ومحيي ، ومميت . لأن هذه الأوصاف مختصة به وحده ، وقال بحدوث كلام اللّه تعالى كما قالت القدرية ، ولم يسم اللّه متكلما به » 40 وهذا الفصل الكامل بين صفات اللّه وصفات غيره بحيث لا يقع بينهما وصف مشترك يطلق على كليهما ، هو الذي أدّى بجهم - لكي يكون مخلصا لمبادئه - إلى القول بالجبر . فكل الصفات التي أحسّ جهم أنها تطلق على الانسان - أو الأشياء - نفى أن تطلق على اللّه . وفي مقابل ذلك فقد وصف جهم اللّه بصفات نفى أن تطلق على الانسان ومنها الوصف بأنه قادر . ونفي القدرة عن الانسان ، وجعلها من صفات اللّه أدّت بجهم إلى أن يقول « أنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلّا اللّه وحده ، وأنه هو الفاعل ، وأن الناس انما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز ، كما يقال : تحركت الشجرة ، ودار الفلك ، وزالت الشمس ، وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس اللّه - سبحانه - إلّا أنه خلق للانسان قوة كان بها الفعل ، وخلق له إرادة للفعل واختيارا له منفردا بذلك ، كما خلق له طولا كان به طويلا ، ولونا كان به متلونا » 41 . القول بالجبر إذن عند جهم هو محاولة لتأكيد التوحيد وتثبيته ، وعلينا أن نلاحظ - إن صحّت رواية الأشعري السابقة - أنه جبر لا ينفي فعالية الانسان نفيا كاملا كجبر الأمويين ، فللانسان قوة وإرادة ، ولكنهما مخلوقتان للّه ، بمعنى أنهما خاضعتان للمشيئة الإلهية التي لا يندّ شيء في العالم عن قدرتها . والدليل على ذلك ما يرويه الأشعري أيضا من أن جهما كان « ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » 42 وهو اتجاه يقرّبه من الخوارج الذين كان هذا المبدأ من أهم مبادئهم بعد