نصر حامد أبو زيد

23

الاتجاه العقلي في التفسير

رأيهم في الإمامة ومحاربة الإمام الجائر . إذا كان المرجئة قد تطوّرت أفكارهم ومبادئهم مع ازدياد الضغط الأموي ضد الثوار والموالي حتى أنهم التقوا مع الخوارج في بعض أفكارهم الثورية ، خصوصا رأيهم في الإمامة الذي عبّر عنه غيلان الدمشقي والذي أشرنا له سالفا ، فإنهم من جانب آخر قد اقتربوا من الشيعة في قولهم بالمهدي المنتظر ، فيروى عن الحارث بن سريج ، الذي حارب جهم بن صفوان في صفة وكان متحدّثا باسمه في المفاوضات بينه وبين سلم بن أحوز أنه كان « يزعم أنه المهدي الذي أرسله اللّه لتخليص المضطهدين والأخذ بناصر المظلومين حتى انضم إليه في ثورته هذه أنصار من العرب ، وسرعان ما استولى على المدن الواقعة على ضفاف نهر سيجون » 43 غير أن أفكار الشيعة تحتاج لوقفة هادئة . ( 3 ) أشرنا إلى دور عبد اللّه بن سبأ في الثورة على عثمان وفي الدعوة لعلي في الكوفة والبصرة ومصر . ويبدو أن عداء عبد اللّه بن سبأ لمسلك معاوية في الشام كان وراء ثورته على عثمان ، فقد كان يقول لأبي ذر الغفاري « يا أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية يقول المال مال اللّه ؟ ألا أن كل شيء للّه ، كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين ، ويمحو اسم المسلمين » 44 . وقد ذهب عبد اللّه بن سبأ - متأثرا في ذلك بمعتقداته اليهودية - إلى القول بوصاية علي في أول الأمر ، وبرجعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وقال في ذلك « إني لأعجب ممن يقول برجعة عيسى ولا يقول برجعة محمد » وقد قال اللّه عزّ وجلّ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ ( سورة القصص 28 : 85 ) » 45 . وتطوّرت أفكار ابن سبأ مع تطور الفتنة ، ففي البداية « زعم أنه كان نبيا ، ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله ، ودعا إلى ذلك قوما من غواة الكوفة . . . وخاف ( علي ) إختلاف أصحابه عليه ، فنفى ابن سبأ إلى ساباط المدائن ، فلمّا قتل علي رضي اللّه عنه زعم ابن سبأ أن المقتول لم يكن عليا ، وإنما كان شيطانا تصور للناس في صورة علي وأن عليا صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى بن مريم عليه السلام ، وقال : كذبت اليهود والنصارى في دعواها قتل عيسى كذلك كذبت النواصب والخوارج في دعواها قتل علي ، وإنما رأت اليهود والنصارى شخصا مصلوبا شبهوه بعيسى ، وكذلك القائلون بقتل علي رأوا قتيلا يشبه عليا فظنوا أنه علي ، وعلي قد صعد إلى السماء ، وأنه سينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه ، وزعم بعض السبئية أن عليا في السحاب وأن الرعد صوته ، والبرق سوطه ، ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد