نصر حامد أبو زيد
211
الاتجاه العقلي في التفسير
التفسير ويستشهد به على صحة ما ذهب إليه . والتأويل الثاني لا يلتقي تماما مع تأويل القاضي وإن كان لا يتناقض معه ، ومن ثم فهو يقبله أيضا . غير أنه يحاول التوفيق بين التأويلين . وهو يبدأ بمحاولة اعطاء شرعية لغوية لتأويل الحذف « وليس يمتنع في اللغة أن يذكر الشيء ويراد غيره ، ويحذف ذكر المراد ، وذلك طريقة ظاهرة في المجاز ، نحو قوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ و هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ و جاءَ رَبُّكَ و أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ، و أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ، وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ لأنه في ذلك أجمع ذكر نفسه وأراد غيره » 224 . وربما أحس القاضي عبد الجبار أن استشهاده بهذه الآيات ، على أن فيها حذفا ، لا يستقيم إلّا على تأويل اعتزالي قد ينازعه فيه الخصوم 225 ، ومن ثم يلجأ إلى الشعر العربي ، فيرى أن قول عنترة : هلّا سألت الخيل يا ابنة مالك * إن كنت جاهلة بما لم تعلمي المقصود به « أرباب الخيل » ، وكذلك يرى في قول الشاعر : سل الربع أنى يممت أم مالك * وهل عادة للربع أن يتكلما 226 بعد أن يؤكّد القاضي شرعية الحذف كطريقة في التعبير ، يحاول التوفيق بين التأويلين الذين قبلهما عن المفسرين قبله ، وذلك لأن أحدهما يعضد تأويله المعقد « للنظر » بأنه الانتظار ، والآخر لا يتناقض مع تأويله هذا . وليست محاولة عبد الجبار التوفيق فحسب ، بل هي التأليف والمزج ، فليس لديه مانع « أن يراد المعنيان المختلفان بالعبارة الواحدة ، فلا مانع يمنع من ذلك ، وما قدمنا ذكره من أن معنى الانتظار ومعنى النظر بالعين معنى واحد ، ويرجعان في الموضوع إلى أصل واحد ، يقتضي صحة إرادة اللّه تعالى لهم جميعا بعبارة واحدة على مذهب من يقول إن العبارة الواحدة لا يجوز أن يراد بها المعنيان المختلفان ، لأنه قد بان بذلك أن معناهما غير مختلف ، ولو ثبت أنه لا يصح بعبارة واحدة ، لكان ما قدمناه على أنهما قد أريدا ، ولوجب أن نحكم أن اللّه تعالى قد تكلم بالآية مرتين وأراد كلا المعنيين ، فالطعن بما قلنا بهذا الوجه لا يصح ، ولا يمتنع عندنا ، فيما ليس طريقة الاجتهاد من الآي ، أن يراد به أمران مختلفان ، وعلى هذه الطريقة قال شيخنا أبو علي رحمه اللّه في قوله : وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ، . . . وبضنين ، أنه قد أريد كلا الأمرين به ، وإن كان طريق ذلك الخبر دون الاجتهاد . ومتى صح ذلك في القراءتين لم يمتنع مثله في العبارة الواحدة إذا احتمل الأمرين » 227 . وإذن فإن عبد الجبار في محاولته جمع التأويلين في اهاب واحد لا يجد ما يمنع أن تعبر عبارة واحدة عن معنيين . وهو في هذا المبدأ ينسى فكرة السياق ودلالة التركيب وتأثير ذلك في المعنى الكلي