نصر حامد أبو زيد
212
الاتجاه العقلي في التفسير
للعبارة . غير أنه إن عورض بمثل هذا الاعتراض وجد في محاولته لرد الانتظار والنظر والفكر إلى معنى واحد هو الطلب تبريرا لهذا الادعاء ، على أساس أنها ليست معاني مختلفة ، وبالتالي فالعبارة لم تعبر عن معان مختلفة . ومن الواضح - في هذه الآية - أن القاضي عبد الجبار وقع في اضطرابات كثيرة ، وتناقض مع نفسه أكثر من مرة وهو بصدد تأويل هذه الآية ، لكن عذر عبد الجبار في هذه التأويلات أن الآية ترتبط بقضية التوحيد ، وأن القرينة العقلية أو الدليل العقلي الذي يرى أن اللّه لا يرى لصفة تتعلق بذاته ، أقوى عند المعتزلة من القرينة اللفظية . ويتبقى أمام القاضي عبد الجبار الأساس الأخير الذي يرتكز عليه خصوم المعتزلة ، وهو أن حمل الآية على الانتظار - لا النظر - لا يجوز ، لأن الانتظار يورث الغم والحسرة ، وهذا لا يليق بوصف أهل الجنة الذين وردت فيهم الآية . ويرد القاضي هذا الاعتراض بقوله : « إن الانتظار هو توقع الشيء الذي يعلم حصوله في المستقبل أو يظنه ، وقد ينقسم : فإن كان ما ينتظره يحتاج إليه في الحال ، ويلحقه بفقده مضرة ، كانتظار الجائع المأكول ، والمحبوس الخلاص ، فذلك يوجب الحسرة . وكذلك فلو انتظر ما لا يحتاج إليه في الحال ، لكنه يخشى فوته ، ولا يثق بحصوله ، فإنه قد تلحقه الحسرة . فأمّا القسم الثاني ، وهو أن يكون ما ينتظره غير محتاج إليه في الحال ، ويثق بحصوله في الوقت الذي ينتظره ، وجميع ما يشتهيه في الحال حاصل ، فإن ذلك لا يوجب الحسرة . ولذلك يختلف حال المنتظر بحسب ثقته بمن ينتظر الشيء من جهته ، فكل من كانت نفسه إليه أسكن كانت حسرته في الانتظار أقل . . . وإنما يقال إن الانتظار يورث الحسرة ويراد به الوجه الأول ، وكل من ذكره في مثل أو شعر فمراده الأول لأنه المألوف في الشاهد ، وإلّا فما ذكرناه من القسم الثاني في الانتظار لا يحيل حصوله على عاقل أنه لا يورث حسرة ولا غما » 228 وعلى هذا فإن المنتظر لثواب اللّه لا يلحقه غم ولا حسرة ، بل هو إلى السرور أقرب لسكونه إلى ربه وثقته بما وعده من النعيم . وحين يردّ القاضي عبد الجبار على هذا الاعتراض الأخير ، فإنه - ربما دون أن يحس - يكون قد حلّ التعارض بين التأويلين اللذين نقلهما عن المفسرين قبله ، إذ يتناغم تأويله للنظر بأنه الانتظار مع تأويل الحذف إذ أن المنتظر لا بدّ أن يكون في انتظار شيء ما من جهة اللّه ، وهذا الشيء قد يكون الثواب ، وقد يكون الأمر ، وقد يكون ما يأتي من عند اللّه وبذلك لا يكون القاضي في حاجة إلى الزعم بأن العبارة الواحدة يراد بها معنيان . وفي نفس الوقت لا يكون في حاجة لمحاولته التوفيقية بين التأويلين ، لأنهما - في الواقع - ليسا متناقضين .