نصر حامد أبو زيد

194

الاتجاه العقلي في التفسير

أساس أنهم لا يصح لهم العلم بالسمعيات « لأنهم قد أفسدوا على أنفسهم طريق العلم بأنه سبحانه لا يفعل القبيح لاضافتهم القبائح كلها إلى اللّه » 181 . وإذا كانت قضايا التوحيد والعدل هي قضايا عقلية في المحل الأول ، فإن صحة السمع تنبني على أدلّة العقل ، وما ورد في السمع مخالفا لأدلة العقل يجب تأويله بما يتفق مع هذه الأدلة العقلية . ولا تناقض بين هذا المبدأ وبين قول المعتزلة إن قضية الرؤية مما يصحّ أن يستدلّ عليها بالعقل والسمع معا إذا كانت هذه القضية ، حتى مع الجهل بها ، لا تقدح في أساس التوحيد . على أنهم في هذه القضية يربطون بين العقل والسمع ولا يقدمون السمع على العقل ، بل يجعلونهما متساويين في الدلالة . ( 1 ) وإذن يقوم مسلك المعتزلة في تأكيد أفكارهم العقلية عن اللّه تعالى على ثلاث وسائل : الوسيلة الأولى هي التفرقة بين المحكم والمتشابه ، واعتبار ما يدعم وجهة نظرهم محكما يدل بظاهره ، وفي نفس الوقت اعتبار ما يدعم وجهة نظر الخصوم متشابها في حاجة إلى التأويل . أمّا الوسيلة الثانية فهي التأويل وغايته رفع التناقض الذي يمكن أن يوجد بين أفكارهم العقلية عن اللّه وبين ظاهر بعض الآيات التي يستشهد بها الخصوم ، والتي يعدها المعتزلة متشابها . أمّا الوسيلة الثالثة فهي انكار حق الخصوم ، أو قدرتهم على معرفة السمعيات وفهمها ، لأن صحة السمع موقوفة على العدل والتوحيد وهي قضايا عقلية ، ولأن الخصوم « قد أفسدوا على أنفسهم طريق العلم بأنه سبحانه لا يفعل القبيح لاضافتهم القبائح كلها إلى اللّه » . وهذه الوسيلة الأخيرة لا يسلكها المعتزلة في الرد على خصومهم في قضية الرؤية وذلك لأنها لا تقدح في أصل التوحيد أولا ، وثانيا لأنها من المسائل الشائكة التي كثرت فيها الشبه والاعتراضات ، بسبب صعوبة التفرقة بين أنواع المدركات كما سبقت الإشارة . وعلى ذلك يبدأ المعتزلة نقاشهم قضية الرؤية على أساس ايراد أدلتهم السمعية ، وهي المحكمة من وجهة نظرهم على نفي الرؤية ، ثم يلجئون إلى أدلّة الخصوم - وهي المتشابه - مستخدمين سلاح التأويل والمجاز . يورد المعتزلة على خصومهم قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( الأنعام / 103 ) فيأخذونه دليلا على صحة ما أثبتوه عقلا من أن اللّه تعالى لا يصحّ أن يرى . غير أن هذا الدليل السمعي لا يسلم للمعتزلة من النقض ، إذ يلجأ خصومهم إلى التفرقة بين لفظ « أدرك » ولفظ « رأى » على أساس أن الادراك غير الرؤية وأن اللّه إذا كان قد نفى أن يدرك بالبصر فإنه لم