نصر حامد أبو زيد

195

الاتجاه العقلي في التفسير

ينف أن يرى إذ « أن الادراك عبارة عن الإحاطة ومنه فلما أدركه الغرق أحاط به وإنّا لمدركون أي محاط بنا فالمنفي إذا عن الأبصار احاطتها به عز وعلا لا مجرد الرؤية . . . يدل لنا أن تخصيص الإحاطة بالنفي يشعر بطريق المفهوم بثبوت ما هو أدنى من ذلك وأقله مجرد الرؤية كما أنّا نقول لا تحيط به الأفهام وإن كانت المعرفة بمجردها حاصلة لكل مؤمن فالإحاطة للعقل منفية كنفي الإحاطة للحس وما دون الإحاطة من المعرفة للعقل والرؤية للحس ثابت غير منفي » 182 . ويضطر المعتزلة إلى الدخول في مناقشات لغوية حول لفظ « أدرك » والفرق بينه وبين لفظ « رأى » . وينفي المعتزلة أن يكون الادراك هو الإحاطة و « الإحاطة ليس هو بمعنى الادراك لا في حقيقة اللغة ولا في مجازها ألا ترى أنهم يقولون السور أحاط بالمدينة ولا يقولون أدركها أو أدرك بها . . . على أنه كما لا تحيط به الأبصار ، فكذلك لا يحيط هو بالابصار ، لأن المانع في الموضعين واحد فلا يجوز حمل الادراك المذكور في الآية على الإحاطة » 183 ثم يفرقون بين الادراك مطلقا ، وبين الادراك إذا قيد بالنظر كما هو منطوق الآية الكريمة . فالادراك « إذا قرن بالبصر أفاد ما تفيده رؤية البصر ، وإن كان إذا أطلق فقد يستعمل بمعنى اللحوق ، فيقال : أدرك الغلام إذا بلغ ، وأدركت الثمرة إذا نضجت ، وأدرك فلان فلانا إذا لحقه ، وقال سبحانه : حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ يعني لحقه الغرق ، و قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ يعني لملحوقون . وقد يقال عند الاطلاق أدركت الحرارة والبرودة وأدركت الصوت ، وكل ذلك إنما يصح إذا لم يقرن بالبصر ، ومتى قرن به زال الاحتمال عنه ، فاختص بفائدة واحدة وهي الرؤية بالبصر . فإذا صحّ ذلك فيجب أن يكون قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ في باب الدلالة على أنه لا يرى بمنزلة قوله تعالى : لا تراه الأبصار » 184 وبصرف النظر عن خلافهم حول « الادراك » هل هو الإحاطة أو البلوغ أو اللحوق ، فإن الفكرة التي يطرحها القاضي عبد الجبار للتفرقة بين لفظ « أدرك » عند الاطلاق ، وبين نفس اللفظ إذا قيد بالنظر تبدو فكرة أصيلة من ناحية الدلالة على أساس أن اللفظ يكتسب معنى محددا من خلال التركيب والسياق ، وأن هذا اللفظ حين لا يكون موضوعا في سياق محدد ، لا يكون له حينئذ سوى معنى هلامي مهوّش . غير أن الآية تثير أشكالا آخر حول مفهوم كلمة « الأبصار » إذ يبدو مفهوما ومنطقيا نفي أن تدرك الأبصار اللّه ، ولكن كيف يدرك هو الأبصار ؟ وهنا يلجأ المعتزلة إلى القول ب « أن المراد بالأبصار المبصرون ، إلّا أنه تعالى علّق الادراك بما هو آلة فيه وعنى به الجملة . ألا ترى أنهم يقولون : مشت رجلي ، وكتبت يدي ، وسمعت اذني ، ويريدون الجملة » 185 وعلى ذلك يكون معنى الآية أن المبصرين لا يدركون اللّه ولكنه يدرك المبصرين . وهنا يثور اشكال جديد فحواه أن الآية