نصر حامد أبو زيد
193
الاتجاه العقلي في التفسير
مدحا . وهكذا فلا مدح في أنه لا أول له ، فإن المعدومات تشاركه في ذلك ، ثم يصير مدحا بانضمام شيء آخر إليه ، وهو كونه قادرا عالما حيا سميعا بصيرا موجودا ، كذلك في مسألتنا . وحاصل هذه الجملة ، أن التمدح إنما يقع لما تقع به البينونة بينه وبين غيره من الذوات ، والبينونة لا تقع إلّا بما نقوله ، لأن الذوات على أقسام ، منها ما يرى ويرى كالواحد منا ، ومنها ما لا يرى ولا يرى كالمعدومات ، ومنها ما يرى ولا يرى كالجماد ، ومنها ما لا يرى ويرى كالقديم سبحانه وتعالى . وعلى هذا الوجه صحّ التمدح بقوله : وهو يطعم ولا يطعم » 178 وهكذا ترتبط فكرة المدح بتباين الذات الإلهية عن الذوات البشرية . وفكرة التباين ليست سوى التنزيه عن صفات النقص البشرية ، وتأكيد صفات الكمال ، بمعنى أن الذات الإلهية وإن حملت بعض الصفات البشرية كالحياة والعلم والإرادة والسمع والبصر ، فإن هذه الصفات قد بلغت أوج كمالها في اللّه وتفاوتت في البشر ، أمّا صفات النقص والضعف في البشر فهي منفية نفيا كاملا عن اللّه . وهكذا تقع البينونة التي هي أساس المدح . وهكذا تلتقي فكرتا التوحيد والمدح في قضية نفي الرؤية عن اللّه . وإذا كان المعتزلة - على غير عادتهم - لا يلزمون من جوّز رؤية اللّه من غير كيفية الكفر على أساس أن التفرقة بين أنواع المرئيات مما يصعب ويلتبس ، فإنهم أيضا - على غير عادتهم - يجيزون الاستدلال على مسألة نفي الرؤية بالعقل والسمع جميعا « لأن صحة السمع لا تقف عليها ، وكل مسألة لا تقف عليها صحة السمع فالاستدلال عليها بالسمع ممكن . ولهذا جوّزنا الاستدلال بالسمع على كونه حيا ، لما لم نقف صحة السمع عليها ، يبين ذلك أن أحدنا يمكنه أن يعلم أن للعالم صانعا حكيما ، وإن لم يخطر بباله أنه هل يرى أم لا ، ولهذا لم نكفر من خالفنا في هذه المسألة ، لما كان الجهل بأنه تعالى لا يرى لا يقتضي جهلا بذاته ولا بشيء من صفاته » 179 والمسألة ترتبط في النهاية بعدم المساس بأصل التوحيد الذي يدافع عنه المعتزلة ، لكنهم حين يجدون خصومهم يبدءون استدلالهم بالسمع ، أي من القرآن الشريف ، والسنة النبوية ، على اعتبار أن قضية التوحيد ، ومنها الرؤية ، لا تؤخذ إلّا من السمع ولا مجال فيها للعقل ، وهو منطلق يخالف تمام المخالفة ما ينطلق منه المعتزلة حيث يعتبرون أن قضايا التوحيد والعدل هي قضايا عقلية في الأساس الأول وأن السمع قد جاء لتأكيدها ، ولذلك قال أبو علي الجبائي « إن سائر ما ورد به القرآن في التوحيد والعدل ورد مؤكدا لما في العقول ، فأمّا أن يكون دليلا بنفسه يمكن الاستدلال به ابتداء فمحال » 180 . حين يجد المعتزلة أن خصومهم يبدءون استدلالهم بالسمع يلجئون إلى نزع هذا السلاح من يدهم بادئ ذي بدء على