نصر حامد أبو زيد
192
الاتجاه العقلي في التفسير
وينقسم القسم الأول من صفات المدح إلى : ما يتمدح باثباته ، وما يتمدح بنفيه . وما يتمدح باثباته من الصفات الراجعة إلى الفعل ينقسم بدوره إلى قسمين : أحدهما يقتضى نفيه نقصا ، مثل التمدّح بفعل الواجب والتمكين وإزاحة العلل وإثابة المطيع ، وثانيهما ما لا يقتضى نفيه نقصا مثل فعل الاحسان والتفضل . وأمّا ما يتمدح بنفيه من صفات الفعل فعلى قسمين أيضا : أحدهما يوجب اثباته النقص كنفي الظلم ، وثانيهما ما لا يقتضي اثباته نقصا مثل أن يمتدح بألّا يعاقب الكافر ولو عاقبه لم يقتض ذلك نقصا فيه . أمّا القسم الثاني ، وهو التمدح بالأمر الذي يرجع إلى صفات الذات ، فينقسم إلى ثلاثة أقسام : أولهما التمدح بما هو اثبات في الحقيقة ، ونفي ذلك يوجب النقص ، وذلك كمدحه بأنه قديم . وثانيهما التمدح بما يجري مجرى الاثبات مثل وصفنا له بأنه عالم وقادر وحي ، ونفي ذلك يوجب النقص . وثالثهما التمدح بما يجري مجرى النفي مثل نفي الرؤية والنوم ، واثبات ذلك يوجب النقص . 176 . وإلى هذا النوع الثالث من القسم الثاني ينتمي ما تمدح اللّه به نفسه من نفي الرؤية عن ذاته ، ومن ثم فإن اثبات الرؤية له تقتضي نقصا ينبغي نفيه عن اللّه جل وعز . والدليل السمعي الذي يورده المعتزلة على خصومهم في هذا الصدد هو قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( الانعام / 103 ) . ولكي يؤكد المعتزلة أن هذه الآية وردت مورد التمدح يلجئون إلى السياق الذي وردت فيه الآية « لأن سياق الآية يقتضي ذلك ، وكذلك ما قبلها وما بعدها ، لأن جميعه في مدائح اللّه تعالى ، وغير جائز من الحكيم أن يأتي بجملة مشتملة على المدح ثم يخلطها بما ليس بمدح البتة ، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحدنا : فلان ورع تقي نفي الجيب مرضي الطريقة أسود يأكل الخبز يصلي بالليل ويصوم بالنهار ، لما لم يكن لكونه أسود يأكل الخبز تأثير في المدح . يبين ذلك ، أنه تعالى لما بيّن تميزه عمّا عداه من الأجناس بنفي الصاحبة والولد بيّن أنه يتميز عن غيره من الذوات بأنه لا يرى ويرى » 177 . وفكرة المدح لا تنفصل عند المعتزلة عن فكرة التوحيد والتنزيه ونفي مشابهة اللّه للبشر والأجساد ، بل هما فكرتان مرتبطتان غير منفصلتين « فإن قيل : وأي مدح في أنه لا يرى القديم تعالى وقد شاركه فيه المعدومات وكثير من الموجودات ؟ قلنا : لم يقع التمدح بمجرد أن لا يرى ، وإنما يقع التمدح بكونه رائيا ولا يرى ، ولا يمتنع في الشيء أن لا يكون مدحا ثم بانضمام شيء آخر اليه يصير مدحا ، وهكذا فلا مدح في نفي الصاحبة والولد مجردا ثم إذا انضم إليه كونه حيّا لا آفة به صار