نصر حامد أبو زيد
191
الاتجاه العقلي في التفسير
ويستلفت نظر الباحث في هذه القضية أن المعتزلة - على غير عادتهم - لا يلزمون خصومهم الكفر على القول بجواز رؤية اللّه جل وعز ، ومن ثم فهم أقل تشددا في الهجوم على خصومهم ، وذلك على عكس ما نرى من تشدد في مواقفهم من قضية خلق الأفعال أو خلق القرآن ، وهما قضيتان ترتبط أولاهما بالأصل الثاني من أصول المعتزلة وهو العدل ، أما الثانية فترتبط بأصل التوحيد الأول . والمعتزلة - في قضية الرؤية - لا يتساهلون مع خصومهم فحسب ، بل يلتمسون لهم العذر إذا هم جوّزوا الرؤية على اللّه من غير كيفية ، أي من غير تشبيه للّه بالأجساد . وهم - أي المعتزلة - في ذلك يفرقون بين أنواع المدركات ، ومدى وضوحها والعلم بها ، فأجناس المسموعات والمشمومات والمذوقات لا جدال في وضوحها والعلم بها ، وليس كذلك أجناس المرئيات التي منها ما هو جوهر ، ومنها ما هو عرض ، وهي لذلك ليست على نفس الدرجة من الوضوح والعلم ، ومن ثم كثرت فيها الشبه والاعتراضات . ومن أجل هذه الشبه التي تتعلّق بالمرئيات دون ما عداها من أنواع المدركات لا يلزم من جوّز على اللّه الرؤية الكفر ، إذا جوّزها من غير تشبه للّه بالأجساد ، إذ أنه بذلك لا يكون مخالفا للمعتزلة في الأصل الذي يدافعون عنه ، وهو التوحيد والتنزيه ، وإنما يكون خلافه لهم ناتجا عن سوء التفرقة بين أنواع المدركات . يقول أبو هاشم الجبائي : « إن العلم بأن ما خالف في جنسه الأصوات والكلام لا يصح أن يكون مسموعا أظهر من العلم بأن ما خالف هذه الأجناس المرئية لا يصح أن يكون مرئيا . . . إنه يقرب عندي أن يكون العلم بأن الجسم لا يسمع ، والحركة لا تسمع ولا يصح ذلك فيهما ، ضروريا . . . إن المسموعات نوع واحد ، فلا يصح اثبات مسموع ليس منها ، وكذلك المدركات من جهة الشم . والذوق . فأمّا المرئيات فمخالفة لها في ذلك ، لأنها تشتمل على نوعين مختلفين جوهر وعرض ، فلم ينحصر المرئي على الوجه الذي انحصر عليه المسموع ، فلذلك لزم من قال إن اللّه تعالى يسمع الكفر ، ولم يلزم ذلك من قال إنه يرى إذا نفى التشبيه . ولذلك ظهر القول في أنه تعالى لا يسمع ، والتبس ذلك في الرؤية وكثرت الشبه » 175 . غير أن قضية نفي الرؤية عن اللّه ، إلى جانب اتصالها بأصل التوحيد ، وهو الأصل الأول للمذهب الاعتزالي ، تتصل من جانب آخر بصفات المدح التي لا يجب نفيها عن اللّه . بمعنى أن اللّه تعالى إذا كان قد تمدّح نفسه بأنه لا يرى ، فإن الزعم بأنه يرى هو نفي للمدح الذي مدح به ذاته . وفي هذا السبيل يقسم المعتزلة ما يمتدح به اللّه سبحانه نفسه إلى قسمين : القسم الأول ، ما يرجع إلى صفات الفعل ، أمّا القسم الثاني فهو ما يرجع إلى صفات الذات .