نصر حامد أبو زيد

190

الاتجاه العقلي في التفسير

على آيات التوحيد والعدل بكل تفاصيلهما ، ولمّا كنا قد عرضنا لكثير من هذه الآيات في الفصول السابقة ، فقد رأينا أن نقتصر في عرض جهود القاضي على قضيتين أساسيتين هما : قضية رؤية اللّه عز وجل ، وقضية خلق الأفعال . ومبرر اختيار هاتين القضيتين ، أن أولاهما تعدّ - إلى جانب قضية الكلام - من أهم القضايا الخلافية بين المعتزلة وخصومهم ، وتظهر فيها بوضوح كامل مشكلة التأويل لورود بعض آيات القرآن باثباتها ، وذلك على عكس قضية الكلام التي تعدّ قضية جدلية أكثر منها قضية متصلة بتأويل النص القرآني ، أمّا قضية خلق الافعال فترجع أهميتها إلى أنها أساس نشأة الفكر الاعتزالي برمته كما سبقت الإشارة في التمهيد . وهي - أيضا - قضية خلافية ظل الخلاف فيها مستمرا ، هي وقضية الرؤية ، حتى عصور متأخرة . لذلك كله نكتفي بهاتين القضيتين كنموذجين لقضايا التوحيد والعدل ، يكشفان لنا عن نهج القاضي في التأويل وعلاقته بباقي جوانب الفكر الاعتزالي التي أسهبنا في شرحها . ب - التوحيد وقضية رؤية اللّه قضية الرؤية ، وجوازها على اللّه وعدم جوازها عليه ، من القضايا الهامة التي ثارت بين المعتزلة وخصومهم ، وأثارت كثيرا من الجدل والنقاش . وترتبط هذه القضية - في مفاهيم المعتزلة - بقضية التوحيد ونفي الجسمية عن اللّه ، ذلك أن اثبات اللّه مرئيا يقتضي كونه في جهة ومتحيزا في المكان . ولذلك سعى المعتزلة إلى نفي أن يكون اللّه مرئيا بأي صورة من الصور ، وإلى نفي ذلك عنه في الدنيا وفي الآخرة على السواء . ولم يكن سبيل ذلك سهلا أمامهم ، فالاعتراضات كثيرة . وإذا كانوا قد وجدوا في بعض آيات القرآن سندا لوجهة نظرهم ، فقد اعترضتهم آيات أخرى استشهد بها خصومهم في رد هذه الدعوى . ومن ثم لم يكن أمام المعتزلة سبيل إلّا تأويل هذه الآيات التي يستشهد بها الخصوم تأويلا يتفق مع وجهة نظرهم في التوحيد ، وفيما يجوز على اللّه وما لا يجوز عليه . ونظروا إلى الآيات التي استشهد بها الخصوم على أنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلّا اللّه والراسخون في العلم ، ونظروا إلى الآيات التي تسند وجهة نظرهم على أنها من المحكم الذي ترد إليه آيات الخصوم المتشابهة . وكان من الطبيعي أن يلجأ الخصوم إلى نفس الحيلة ، فيعتبروا ما يدعم وجهة نظرهم محكما ، وما يدعم وجهة نظر المعتزلة متشابها . وكان من الطبيعي أيضا أن يدّعي كل طرف لنفسه صفة « الراسخين في العلم » القادر على التأويل الصحيح .