نصر حامد أبو زيد
180
الاتجاه العقلي في التفسير
التأويلان لتأكيد حرية الانسان ونفي الجبر والالجاء والقسر عنه ، وبذلك تتحدد مسئوليته عن فعله ، وينتفي الظلم عن اللّه عز وجل « قوله ، سبحانه وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ ، وقوله يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ، و يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ و كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ، ونحو هذا في القرآن كثير . يعني في جميع ذلك ، أنه يوقع عليه اسم الضلال ويدعوه به بعد العصيان والطغيان ، لا أنه يغويهم عن الصراط المستقيم كما أغوى فرعون قومه ، وان أشبه اللفظ فمعناه متباين مفترق عند أهل العلم ، إذ اللّه عز وجل ، رحيم بعباده ، ناظر لخلقه ، وفرعون كافر لعين ملعون مضل غوي ، وهو ، عز وجل ، قد عذّب فرعون على فعله وضلاله وقبح سوء فعله بنفسه وقومه ، وكيف يغوي خلقه ويضلهم ولا يرشدهم ثم يعذبهم على فعله ، إذا لكان لهم ظالما وعليهم متعديا ، وهو مع ذلك يعيب على من فعل مثل هذا الفعل » 150 . وهكذا يصبح التأويل والمحكم والمتشابه عند الامام يحيى كما كانا عند الامام القاسم الرسى وجهين لقضية واحدة ، وإذا كان كلاهما لم يستخدم مصطلح « المجاز » فذلك لأن « التأويل » مصطلح يشمل « المجاز » عند الشيعة ، خصوصا عند المتأخرين منهم . ومع ذلك كله « فالتأويل » و « المجاز » عند المعتزلة أنفسهم يشيران إلى معنى واحد في التحليل النهائي وإذا كان كل من أبي عبيدة والفراء والجاحظ وابن قتيبة قد أسهبوا في بيان كثير من التفاصيل والأنواع التي تدخل كلها تحت مصطلح « المجاز » بمعناه العام ، فإنهم في نفس الوقت قد ربطوه بغاية محددة هي « التأويل » بمعناه اللغوي الذي يعني الشرح والتفسير ولكن بشيء من النظر والتأمل واعمال الفكر . وسنجد أن القاضي عبد الجبار قد استفاد من كل هذه الجهود وإن كان له فضل الصياغة النهائية والربط الكامل بين وجوه « التأويل » و « المجاز » و « المحكم والمتشابه » من جهة ، وبين الأسس الفكرية والعقلية للمدرسة الاعتزالية في شكلها الناضج والنهائي من جهة أخرى . 5 - المجاز والتأويل عند القاضي عبد الجبار أ - المحكم والمتشابه كأساس للتأويل . أفرد القاضي عبد الجبار ضمن مؤلفاته العديدة كتابا كبيرا من قسمين لتأويل متشابهات القرآن وردها إلى المحكمات . وقدّم بين يدي هذا الكتاب مقدمة ضافية وضع فيها الأسس والقواعد التي ينبغي أن تحكم عملية التأويل وتضبطها . هذا علاوة على المواضع الكثيرة التي تناول فيها هذه القضية في موسوعته الضخمة