نصر حامد أبو زيد

181

الاتجاه العقلي في التفسير

« المغني في أبواب التوحيد والعدل » وفي شرحه للأصول الخمسة كذلك . والأساس عنده أن القرآن كلام اللّه ، والكلام ليس صفة من صفات الذات ، وإنما هو صفة من صفات الأفعال ( لأنه محدث على وجه مخصوص ) 151 . وهو كلام قصد به منفعة البشر وهدايتهم ولذلك فلا بدّ من أن يكون دلالة ، وإلّا انتفت عنه صفة المنفعة ، وانتفت الحكمة - بالتالي - عن فعل من أفعال اللّه . « والقول إذا كان بلغة مخصوصة فقد وضع ليدل على المراد ، فمتى خاطب به الحكيم الذي لا تصح عليه الحاجة إلّا ليفيد به المخاطب ، فقد خاطب به على وجه يقبح » 152 . وإذا كان القول - وكلام اللّه قول - بلغة مخصوصة فإنه يدل بشرطين : الشرط الأول هو وجود مواضعة سابقة والشرط الثاني هو معرفة قصد المتكلم أو المخاطب بهذا القول « لأن الخبر لا يعلم بصيغته أنه صدق أو كذب حتى إذا علم حال المخبر صحّ أن نعلم ذلك ، وقد علمنا أن ما أخبر جل وعز عنه في القرآن لم يتقدم لنا العلم بحال مخبره ، فيجب أن لا يعلم أنه صدق إلّا بعد العلم بحال المخبر وأنه حكيم » 153 . ومعنى هذا أن الاستدلال بالقرآن ، أو اعتباره دلالة لا يصحّ إلّا بعد معرفة المتكلم بكل صفاته من التوحيد والعدل ، بما يتضمنه مبدأ العدل من أن اللّه حكيم لا يختار القبيح ولا يأمر به ولا يكذب في أخباره . وإذا كانت كل هذه الأشياء من صميم النظر العقلي ، لا من الاستدلال السمعي ، فإن القرآن نفسه لا بدّ أن يخضع في الاستدلال به للنظر العقلي . والواقع أن المعتزلة لم يتصوروا للحظة واحدة امكانية أن يدل العقل على خلاف ما يدل عليه القرآن ، غاية الأمر أنهم كانوا في جدلهم المستمر مع غير المسلمين أو مع مخالفيهم من المسلمين يريدون أن يحتكموا إلى مبدأ ظنوا أنه لا يخطئ إذا استخدم استخداما سليما ، ولذلك هاجموا خصومهم هجوما عنيفا على أساس أن نظرهم في القرآن كان ناقصا وخاطئا « لأنهم إنما أتوا في ذلك من جهة الجهل بما يجوز على اللّه تعالى ، و ( ما ) لا يجوز وبطريقة اللغة ، فأما مع المعرفة بذلك وتأمل الآيات فلا بدّ من أن ينكشف أنه لا اختلاف في دلالته ، وهذا كما نقول من أن قول اللّه تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ موافق لقوله وَجاءَ رَبُّكَ متى حمل ذلك على أن تأويله وجاء متحملو أمر ربك . . . ونحو قوله تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ انه موافق لقوله وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إذا حمل على أن المراد به العاقبة . . . إن المتعلق بمثل ذلك لا يخلو من أن يزعم أن القرآن دلالة على التوحيد والعدل ، أو يقول : لا نعلم صحة دلالته إلّا بعد العلم بالتوحيد والعدل ، وبينا فساد القول الأول ، بأن قلنا : إن من