نصر حامد أبو زيد
173
الاتجاه العقلي في التفسير
نفسه لا ينطوي على البراءة التي يوحي بها ظاهره ، فالقرآن قد وصف نفسه بأنه « هدى » وبأنه « بيان » ، فكيف يأتي فيه « المتشابه » الذي أثار الخلاف وأوقع الفتن ؟ ويرد ابن قتيبة هذا الطعن رابطا وجود « المتشابه » بفكرة الاختبار والابتلاء والتكليف ليتبين المجتهد من المقلد ، وليتمايز الناس بمعارفهم . وذلك لا يتناقض - من وجهة نظره - مع نزول القرآن على لغة العرب وأسلوبها في التعبير ، فاللغة نفسها فيها « الإيجاز والاختصار ، والإطالة والتوكيد والإشارة إلى الشيء واغماض بعض المعاني حتى لا يظهر عليه إلّا اللقن ، واظهار بعضها ، وضرب الأمثال لما خفي . ولو كان القرآن كله ظاهرا مكشوفا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس ، وسقطت المحنة ، وماتت الخواطر . ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة ، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة » 131 . وإذا كان معنى « المتشابه » عند ابن قتيبة قد أخذ هذا المعنى الواسع ، حتى أدخل فيه الحروف المقطعة في أوائل السور ، وإذا كان ابن قتيبة ، شأنه شأن أبي عبيدة والفراء والجاحظ - كان مشغولا بالرد على الطاعنين والمتأولين ، فمن الطبيعي أن يسلم بامكانية معرفة « المتشابه » ما دام قد سلم بأهميته لتمييز المجتهد من المقلد « ولسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم . وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى ولم ينزل اللّه شيئا من القرآن إلّا لينفع به عباده ، ويدل به على معنى أراده . فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال ، وتعلق علينا بعلة » 132 ويحتاج ابن قتيبة - بعد ذلك - للتأويل النحوي للآية ، خصوصا قوله تعالى وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وهل هي معطوفة مع ما قبلها وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أم هي جملة مستأنفة مقطوعة عنها ؟ والمشكلة الاعرابية في الآية تتركّز في جملة « يقولون آمنا به » لأنها ليست مسبوقة بواو الحال أو واو العطف وهذا يجعلها أقرب للجملة الخبرية للراسخين في العلم ، ومن جهة أخرى فإن أسلوب القصر بما والا في الجملة السابقة يجعل عطف الجملتين صعبا . ولكن ابن قتيبة يخرج من ذلك كله بتوجيه الآية على أن « يقولون » هاهنا في معنى الحال ، كأنه قال : الراسخون في العلم قائلين : آمنا به . ومثله في الكلام : لا يأتينك إلّا عبد اللّه وزيد يقول : أنا مسرور بزيارتك . يريد : لا يأتينك إلّا عبد اللّه وزيد قائلا : أنا مسرور بزيارتك . ومثله لابن مفرغ الحميري يرثي رجلا في قصيدة أولها : أصرمت حبلك من أمامه * من بعد أيام برامه والريح تبكي شجوها * والبرق يلمع في غمامه