نصر حامد أبو زيد
174
الاتجاه العقلي في التفسير
أراد : والبرق لا معا في غمامة تبكي شجوه أيضا ، ولو لم يكن البرق يشرك الريح في البكاء لم يكن لذكر البرق ولمعه معنى » 133 . وأيّا كان هذا التوجيه ، فقد كان هو التوجيه الذي ساد بين كل الفرق باستثناء أولئك الذين ظلوا على اعتقادهم بأنّ المتشابه مما استأثر اللّه بعلمه ، ولا يعلمه أحد . وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى مسلك ابن قتيبة في تأويل آيات القرآن ، نجده يتفق مع المعتزلة في كثير من تأويلاتهم في قضية التوحيد ونفي مشابهة اللّه للبشر ، وذلك باستثناء اسناد الكلام إلى اللّه فقد اعتبره ابن قتيبة اسنادا حقيقيا بينما اعتبره المعتزلة اسنادا مجازيا كما سبق أن وضحنا . فالوجه في قوله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ وفي جميع الآيات التي تضيف لله وجها ، معناه هو . ويضع في الاستعارة قوله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويكون معناه « أي عن شدة الأمر » ، وكذلك قوله : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً وتكون أهون في قوله تعالى وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ بمعنى « هين عليه ، أي سهل عليه » . وأمّا قوله تعالى سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ فإن معناه « ومجازه : سنقصد لكم بعد طول الترك والاهمال » . وقوله تعالى ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها أي يقهرها ويذلّها بالملك والسلطان » . أمّا خشينا في قوله تعالى فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً فتكون معناها « علمنا » « لأن في الخشية والخوف طرفان من العلم » . ومن الواضح في هذا التأويل الأخير عجز التحليل اللغوي عن ادراك المعنى ، فسياق الآية في سورة الكهف ، في حوار بين موسى عليه السلام والعبد المؤمن الذي أوتي العلم اللدني ، ومن الطبيعي أن يعبر العبد المؤمن عن علمه بالخشية ، وحتى لو كان الفعل مسندا للّه ، فتظل معضلة اللغة التي أشرنا إليها هي العائق عن التعبير عمّا هو خارج عن حدودها . ولا يخرج تأويل الآيات التي توهم حدوث علم اللّه عند ابن قتيبة عمّا سبق أن وجدناه عند أبي عبيدة والفراء ، أمّا الآيات التي تسند المكر والاستهزاء إلى اللّه فيضعها ابن قتيبة فيما جاء مخالفا معناه لظاهر لفظه « ومن ذلك الجزاء عن الفعل بمثل لفظة والمعنيان مختلفان : نحو قوله تعالى : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ أي يجازيهم جزاء الاستهزاء » . ومن هذا النوع من المجاز أيضا - مخالفة ظاهر اللفظ للمعنى - « أن يأتي الكلام على لفظ أمر وهو تهديد : كقوله اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ » 134 . ومن استعراض هذه الأمثلة كلها نحس أن ابن قتيبة لا يكاد يضيف جديدا إلى ما قدّمه السابقون عليه ، ونلاحظ أيضا أن الحس التوضيحي التبسيطي الذي